وعمارًا يستنفر أهل المدينة وأهل الكوفة، ولما قدموا البصرة استَعانوا بأهلها وبيت مالها، حتى إذا جاءهم الإمام رضي الله عنه حاول الصُّلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك، فثار قتلةُ عثمان وكان ما كان، وانتصر عليٌّ رضي الله عنه، وكان قتالهم منِ ارتفاع النهار يومَ الخميس إلى صلاة العصر لعشرٍ خلَون من جمادى الآخرة.
ولما ظهر عليٌّ جاء إلى أمِّ المؤمنين فقال:"غفَر الله لكِ"، قالت:"ولكَ؛ ما أردتُ إلا الإصلاحَ" [1] ، ثم أنزلها دارَ عبد الله بن خلف، وهي أعظمُ دار في البصرة على سنيةَ بنت الحارث أمِّ طلحة الطلحات، وزارَها بعد ثلاثٍ ورحَّبَت به وبايعَته وجلس عندها، فقال رجلٌ: يا أميرَ المؤمنين إنَّ بالباب رجلين يَنالان من عائشةَ، فأمر القعاعَ بن عمرو أن يَجلد كلَّ واحد منهما مائةَ جلدة، وأن يجرِّدهما من ثيابهما، ففعل [2] .
ولما أرادَت الخروجَ من البصرة، بعث إليها بكلِّ ما يَنبغي من مركبٍ وزاد ومتاع، وأذن لمن نَجا من الجيش أن يَرجع إلا أن يحبَّ المقام، وأرسل معَها أربعينَ امرأةً وسيَّر معها أخاها محمدًا، ولما كان اليومُ الذي ارتحلَت فيه جاء عليٌّ فوقف على الباب في الهودج، فودَّعَت الناس، ودَعَت لهم، وقالت:"يا بَنيَّ، لا يغتَب بعضُكم بعضًا؛ إنه ما كان بيني وبين عليِّ بن أبي طالب في القديم إلا ما يَكون بين المرأةِ وأحمائها، وإنه لمن الأخيار"، فقال عليٌّ:"صدقَت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجةُ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة"، وسار معها مودِّعًا أميالًا، وسرَّح بنيه معها بقيةَ ذلك اليوم [3] .
وكانت رضي الله عنه بعد ذلك إذا ذكرَت ما وقع تبكي حتى تبلَّ خمارها [4] .
ففي هذه المعاملةِ من الأمير رضي الله عنه دليلٌ على خلافِ ما تزعمه الشيعة من كُفرها، وحاشاها رضي الله عنها! وفي ندَمِها وبكائها على ما كان - دليلٌ على أنها لم تذهب إلى ربِّها إلا وهي نقيَّة من غبار المعركة، على أنَّ في كلامها ما يدلُّ على أنها كانت حسَنةَ النية في ذلك.
وقال غيرُ واحد: إنَّها اجتهدَت ولكنَّها أخطأَت في الاجتهاد، ولا إثمَ على المجتهد المخطئ، بل أجرُه على اجتهاده، وكونها رضي الله تعالى عنها من أهلِ الاجتهاد مما لا ريبَ فيه.
(1) شذرات الذهب (1/ 26) .
(2) الطبري (5/ 223) .
(3) انظر البداية والنهاية (7/ 274) ، والعواصم من القواصم.
(4) البخاري (4476) ، وأحمد (1/ 22) .