ويقول ابن حزم:"وأما أمُّ المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومَن كان معهم، فما أبطَلوا قطُّ إمامةَ عليٍّ ولا طعَنوا فيها؛ فقد صحَّ صحةً ضرورية لا إشكالَ فيها أنَّهم لم يَمضوا إلى البصرة لحرب عليٍّ ولا خلافًا عليه ولا نَقضًا لبيعته، وبرهانُ ذلك أنَّهم اجتمَعوا ولم يقتَتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرَف قتلةُ عثمانَ أنَّ الإغارة والتدبير عليهم، فبيَّتوا عسكرَ طلحة والزبير، وبذَلوا السيف فيهم، فدفع القومُ عن أنفسهم فردعوا حتى خالطوا عسكر علي، فدفع أهلُه عن أنفسهم، وكلُّ طائفة تظن ولا تشكُّ أن الأخرى بدَأتها بالقتال، فاختلطَ الأمر اختلاطًا لم يَقدر أحدٌ على أكثرَ مِن الدفاع عن نفسه، والفسَقة من قتَلة عثمان لعنَهم الله لا يَفتُرون مِن شبِّ الحرب وإضرامها" [1] .
ويقول ابنُ كثير واصفًا الليلةَ التي اصطلَح فيها الفريقانِ من الصَّحابة:"وبات الناسُ بخير ليلة، وبات قتَلةُ عثمانَ بشرِّ ليلة، وباتوا يتَشاورون، وأجمَعوا على أن يُثيروا الحربَ من الغلَس" [2] .
ويقول ابن أبي العز الحنفي:"جرَت فتنةُ الجمل على غير اختيار من عليٍّ ولا من طلحةَ والزبير، وإنما أثارها المفسِدون بغير اختيار السابقين" [3] .
فهذه أقوالُ العلماء أنَّ القتال الواقعَ من الصحابة لم يكن بتدبير ولا اختيارٍ منهم، بل إنَّهم كانوا كارهين لها، مُؤثِرين الصلحَ على الحرب، ولم يكن لأيِّ أحد من الصحابة أيُّ دور في نُشوبها ولا سعيٍ في إثارتها، لا عائشة رضي الله عنها - كما يزعمون - ولا غيرها، وإنما أوقدَ جذوتَها وأضرم نارَها قتلة عثمان رضي الله عنه.
ثانيًا: مما يدل على أنها لم تَخرج لقتاله ما تقدَّم من أنها أرادت الرجوع؛ لمَّا نبحَت عليها كلابُ الحوأب [4] ، فهذا يدل على أنها أرادَت الإصلاح لا الخروج.
ثالثًا: ومما يدل على أنها لم تخرج لقتال عليٍّ والخروج عليه، أن عليًّا رضي الله عنه كان بالمدينة ولم يكن بالعراق، وهي قد خرجَت إلى البصرة، حيث قتَلةُ عثمان، فلو أرادَت القتال لخرجَت إلى المدينة لقِتاله هناك، بدلًا من هذا السفر الطويل.
وملخصًا لما وقع في حرب الجمل وخروج أم المؤمنين عائشة، أنه لما قُتل عثمان رضي الله عنه توجَّع المسلمون، فسار طلحةُ والزبير وعائشةُ نحو البصرة، فلما علم عليٌّ رضي الله عنه بمخرَجهم اعترضهم من المدينة؛ لئلاَّ يحدث ما يشقُّ عصا الإسلام، ففاتوه، وأرسل ابنَه الحسن
(1) "الفِصَل في الملل والنِّحل" (4/ 238 - 239) .
(2) البداية والنهاية (7/ 5) .
(3) شرح العقيدة الطحاوية ص 723.
(4) رواه ابن حبان (4613) .