الدولة ظاهرة تاريخية، بمعنى أنها تمتد بجذورها إلى التاريخ القديم، أما الدولة القومية (1) (وهي الصورة السائدة للدولة الآن) بما تتضمنه من شعب وإقليم محدد وحكومة ذات سيادة، ظاهرة حديثة نسبية إذ ترتبط في ظهورها بالأحداث التي صاحبت انتقال أوربا من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، لاسيما في أعقاب معاهدة الصلح (وستفاليا) 1648 م، والتي يؤرخ بها لظهور الدولة القومية.
هناك جدل كبير بين الأوربيين والأمريكيين حول استخدام مفاهيم بناء الدولة وبناء الأمة، وكل يستند
في ذلك إلى تجربته التاريخية، فالأوربيون يستخدمون بناء الدولة (State. Building) ، إذ أسس القادة السياسيون الدولة، ثم حاولوا إيجاد أمة من الشعوب التي كانوا يحاولون حكمها، لذلك هم أكثر وعيا بالفرق بين الأمة والدولة من الأمريكيين، أما الأمريكيون فإنهم يعمدون إلى استخدام بناء الأمة (Nation Building) انطلاقا من التجربة القومية الأمريكية في حرب الاستقلال، إذ نشأ وعي جمعي بين أولئك الذين شاركوا في تلك الحرب بضرورة إنشاء المؤسسات السياسية التي تنضم سير المجتمع الجديد (2) . ويشير مصطلح بناء الدولة إلى قدرة الدولة على التغلغل في المجتمع وقدرتها على فرض سلطتها على أراضيها وقدرتها على حماية مواطنيها داخل حدودها، وقدرتها على تحقيق استقرار سياسي واجتماعي استنادا إلى تحقيق هوية وطنية جامعة (3) . بمعنى أخر بناء جهاز الحكم الذي يحتكر لوحده حق الإجبار المادي المشروع فوق أرض محددة (4) . وهنالك من يرى أن القومية هي الشعور بالانتماء إلى جماعة من الناس يجمع بينهم الوطن واللغة والتأريخ، وإن الشعور بالانتماء ينشأ تلقائية داخل أفراد الجماعة بعيدة من الوسائل غير الطبيعية كالدعاية أو التعليم أو القانون، بل إنه ينشأ كأية ظاهرة إجتماعية بصورة
(1) وتشير القوميات إلى الحركات، وإلى الأنشطة والأيديولوجيات التي تطور لغرض الكسب أو الدعم لدولة خاصة وأنها شكل من أشكال الانتماء العرقى لكنها شکل خاص (قومية) كما أن الأشكال الوطنية للعرق لا تختلف نوعية عن الأشكال التي تلحق بالدولة أو الجماعة. أنظر: بيتر ورسلي، القومية والاشتراكية في العوام الثلاثة، ترجمة صلاح سعد الله، (بغداد: مطبعة شفيق، 1990 م) ، ص 49 - 50.
(2) فرنسيس فوکوياما، بناء الدولة: النظام العالمي الجديد ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين، ترجمة مجاب الإمام، (الرياض: مکتبة العبيكان، 2007) ، ص 174 - 175.