فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 111

خَلِّني فَأنْتَخِبُ من القوم مائةَ رجل، فأتْبَعُ القوم، فلا يبقى منهم مُخبِر إِلا قتلتُه، قال: فضحكَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ في ضوء النار، فقال: يا سلمةُ، أَتُراك كنتَ فاعلا؟ قلتُ: نعم، والذي أكرمكَ، قال: إِنهم لَيُقْرَوْن [1] في أرض غَطَفان، قال: فجاء رجل من غَطَفَانَ، فقال: نَحَرَ لهم فلان جزورا، فلما كشفوا جلدها رأَوْا غُبَارا، فقالوا: أتاكم القومُ، فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: كان خيرَ فُرْساننا اليومَ أبو قَتَادةَ، وخيرَ رَجَّالَتِنا سلمةُ، قال: ثم أعطاني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعا، ثم أرْدَفَني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وراءه على العَضْبَاء، [2] راجعِين إِلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يُسْبَقُ شَدّا، قال: فجعل يقولُ: أَلا مُسابق إِلى المدينة؟ هل مِنْ مُسابِق؟ فجعل يُعيدُ ذلك، قال: فلما سمعتُ كلامَه، قلتُ: أما تُكْرِم كريما، ولا تَهابُ شَريفا؟ قال: لا، إلا أَنْ يكونَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، بأبي وأُمِّي، ذَرْني فلأَسْبِق الرَّجُلَ، قال: إِن شئتَ، قال: قلتُ: اذهب إِليكَ، قال: وَثَنَيْت رِجْلي، فَطَفَرْتُ فعدوتُ، قال: فَربطتُ [3] عليه شَرَفا أو شَرَفَيْنِ [4] ، أَسْتَبْقي نَفسي، ثم عَدَوْتُ في إِثْرِهِ فربطتُ عليه شَرَفا أو شَرَفين، ثم إني رَفَعْتُ حتى أَلْحَقَه: فأصُكُّه بين كتفيه، قال: قلتُ: قد سُبِقْتَ والله، قال: أنا أظنّ، قال: فَسَبَقْتُهُ إِلى المدينة، قال: فوالله، ما لبثنا إِلا ثلاثَ ليال، حتى خرجنا إِلى خيبرَ مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فجعل عَمِّي عامر يَرْتَجِزُ بالقوم:

تَاللهِ لَوْلا الله مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنا وَلا صَلَّيْنَا

وَنَحْنُ عنْ فَضْلِكَ مَا اسْتَغْنَينا فَثَبِّتِ الأقدَامَ إِن لاقَيْنا

وَأَنْزِلَنْ سَكِينَة عَليْنا

فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: من هذا؟

قال: أنا عامر، قال: غَفَرَ لكَ رَبُّكَ، قال: وما استغَفَرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لإِنسان يَخُصُّهُ إِلا اسْتُشْهِدَ، قال: فنادى عمرُ بنُ الخطاب وهو على جمل له: يا نبيَّ الله، لولا مَتَّعْتَنا [5] بعامر؟ قال: فلمَّا قدِمنا خَيْبَر، قال: خرج مَلِكُهمْ مَرْحَب يخطِرُ بسيفه [6] ، يقول:

(1) - لَيُقْرَوْن: القِرى: الضِّيافة ونُزُل الضَّيْف.

(2) - العَضباء: لقبُ ناقةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-ولم تكن عضباء، أي: مشقوقة الأذُن.

(3) - فربطتُ: أي: تأخَّرتُ، كأنه ربط نفسه، أي: شدَّها.

(4) - شَرَفا الشَّرَفُ: الشَّوطُ والقَدْرُ المعلوم من المسافة.

(5) - لولا متَّعْتنا «لولا» هاهنا بمعنى: هَلا، ومتعتنا بمعنى: جعلتنا ننتفع به، فإنه -صلى الله عليه وسلم-كان إذا استغفر في غزوة لأحد على الخصوص، أو ترَّحم [عليه] : عرفوا أنه يموت أو يُقتل، فقالوا لما استغفر له: هلا تركتنا نستمتع بحدائه في طول حياته؟

(6) - يَخْطِر بسيفه: خَطَر بسيفه: إذا هَزّهُ مُعجَبا بنفسه، مُتعرِّضا للمبارزة، ويجوز أن يكون أراد به: أنه كان يخطِر في مِشْيَتِه، أي: يتمايل ويمشي مِشْيَةَ المعجَب بنفسه، وسيفُه في يده، فكأنه خطر وسيفه معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت