أُولئِكَ الذين قَبِلَ منهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين حَلفُوا له، فبايَعَهُم واستغفر لهم، وأَرجأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمْرَنا، حتى قَضَى اللهُ تعالى فيه بذلك، قال اللهُ عز وجل: {وَعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفُوا} [التوبة: 118] ، وليس الذي ذُكِرَ مما خُلِّفْنا عن الغَزْو، وإِنَّمَا هو تَخْلِيفه إِيَّانا، وإِرجاؤه أَمْرَنا عَمَّن حَلَفَ له، واعتذر إِليه فَقَبِلَ منه.
وفي رواية: ونهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبَيَّ، ولم يَنْهَ عن كلامِ أَحدٍ من المتخلِّفين غيرِنا، فاجْتَنَبَ الناسُ كلامَنَا، فَلَبِثْتُ كذلك، حتى طال عليَّ الأمْرُ، وما من شيءٍ أَهَمُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ، فلا يُصَلِّي عليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أو يموتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأَكون من النَّاسِ بتلكَ المنزلَةِ، فلا يكلِّمني أَحَدٌ منهم، ولا يُسَلِّمُ عليَّ، ولا يُصَلِّي عليَّ، قال: فأَنزل الله تَوْبَتنا على نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم، حين بقي الثلثُ الأَخيرُ من الليل، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند أُمِّ سَلَمَةَ، وكانتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَة في شأني مَعْنيَّة بأمري، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ على كَعْبٍ» ، قالت: أَفلا أُرْسِلُ إِليه فأُبَشِّرُهُ؟ قال: إِذا يَحْطِمُكُمُ الناسُ، فيمنعونكم النوْمَ سائرَ الليْلِ، حتى إِذا صَلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ الفجر، آذَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتوبةِ الله علينا.
وفي رواية: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرجَ يومَ الخميس في غزوة تبوك، وكان يحبُّ أن يخرجَ يومَ الخميس. وفي رواية طَرَفٌ من هذا الحديث، وفيها زيادة معنى: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان لا يَقْدَمُ من سَفَرٍ إِلا نهارا في الضُّحَى، فإِذا قَدِمَ بدأَ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه. [1]
سلمة بن الأَكوع - رضي الله عنه: قال: «قَدِمْنا الحديبيةَ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحنُ أربعَ عشرةَ مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرويها، قال: فقعدَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على جَبَا الرَّكِيَّةِ [2] ، فإما دعا، وإِمَّا بصق فيها، قال: فَجَاشَتْ فَسَقَيْنا وَاسْتَقَيْنَا، قال: ثم إن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دعا [نا] للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعتُهُ في أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إِذا كانَ في وسط من الناس قال: بايِعْ يا سلمةُ، قال: قلتُ: قد بايعتُكَ يا رسولَ الله في أول الناس، قال: وأيضا قال: وقد رآني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَعْزَلَ [3] - يعني: ليس معه سلاح -فأعطاني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حَجفَة - أو دَرَقَة - ثم بايَعَ، حتى إِذا كان في آخر الناس، قال: ألا تُبايعني يا سلمةُ؟ قال: قلتُ: قد بايعتُك يا رسولَ الله في أول الناس، وفي أوسط الناس، قال: وأيضا، قال: فبايعتُهُ الثَالثَةَ، ثم قال لي:
(1) - أخرجه أحمد (3/ 456) و «البخاري» (4/ 9) و (58) و (529) و (5/ 69) و (92) و (6/ 3) و (86) و (89) و (8/ 70) و (9/ 102) و «مسلم» (8/ 105) و «أبو داود» (2202) و (3317. و «النسائي» (2/ 53) و (6/ 152) و (7/ 22) . وفي الكبرى (721)
(2) - على جبا الرَّكِيَّةِ الرَّكِيَّةُ: البئر، وجباها: التراب الذي أُخرج منها وجُعلَ حولها.
(3) - أعزل: الأعزل: الذي لا سلاح معه، وقوم عُزَّل، وقد جاء في أحد نسخ مسلم «عُزُل» وأراد به الواحد، ولعله غلط من الكاتب.