[يا] سلمةُ، أين حَجفَتُك- أو دَرَقَتُكَ - التي أعطيتُكَ؟ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، لقيَني عمّي عامر أعْزَلَ، فأعطيتُهُ إِياها، قال: فضحك رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال: إِنكَ كالذي قال الأول: اللهم أبْغِنِي [1] حبيبا هو أحبُّ إِليَّ من نفسي، ثم إِنَّ المشركين وَاسَوْنا [2] الصلحَ، حتى مشى بعضُنا في بعض، واصطلحنا، قال: وكنتُ تَبِيعا [3] لطلحةَ بنِ عُبيد الله، أسقي فرَسه، وأحُسُّه وأخدُمه، وآكل من طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرا إِلى الله وإِلى رسولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، فلما اصطلحنا نحن وأهلُ مكةَ، واختلط بعضُنا ببعض، أتيتُ شجرة، فَكَسَحْتُ [4] شوكَها، فاضطجعتُ في أصلها، فأتاني أربعة من المشركين من أهلِ مكةَ، فجعلوا يقعون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأَبْغَضْتُهم، فتحوَّلتُ إِلى شجرة أُخرى، وعلَّقوا سلاحهم، واضطجعوا، فبينما هم كذلك إِذْ نادى مُناد من أسفل الوادي: يَا لَلْمهاجرين، قُتِلَ ابنُ زُنَيْم، قال: فاخترطتُ سيفي، ثم شددتُ على أُولئك الأربعةِ وهم رُقُود، فأخذت سلاحهم، فجعلتُه ضِغْثا [5] في يدي، قال: ثم قلتُ: والذي كرَّم وجهَ محمَّد -صلى الله عليه وسلم-، لا يرفع أحد منكم رَأسَهُ، إِلا ضربتُ الذي فيه عيناه، قال: ثم جئتُ بهم أسوقهم إِلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: وجاء عَمِّي عامر برجل من العَبَلات [6] يقال له: مِكْرَز، يقودُهُ إِلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على فَرَس مُجَفَّف [7] في سبعين من المشركين، فنظر إِليهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: دعُوهم، يكنْ لهم بَدْءُ الفُجور وثِناه [8] ، فعفا عنهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الله بِمَا تعْمَلُونَ بَصِيرا} [الفتح: 24] ، قال: ثم خرجنا راجعين إِلى المدينة، فنزلنا منزلا، بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون، فاستغفرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لمن رَقيَ هذا الجبل الليلةَ، كأنه طَليعة [9] للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، قال سلمةُ: فرقِيتُ تلك الليلة مرتين أو ثلاثا، ثم قَدِمْنا المدينةَ، فبعثَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بظَهْره [10] مع رَباح - غلامِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- - وأنا معه، وخرجتُ معه بفرس لطلحة أُنَدِّيه، مع الظهر، فلما أصبحنا إِذا عبد الرحمن الفزاريُّ قد أغار على ظَهْر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَاقَه أَجْمَعَ، وقتل راعيَه، فقلتُ:
(1) - ابغِني: بمعنى أوجدني وأعطني.
(2) - واسَوْنا: من المواساة: المشاركة والموافقة.
(3) - تَبيعا التَّبيع: الخادم؛ لأنه يتبع الذي يخدُمه.
(4) - فكسحت: كسحتُ البيت: كنستُه ونحيَّت ما في أرضه مما يؤذي ساكنه.
(5) - ضِغْثا: الضِّغث: الحزمة المجتمعة من قضبان أو حشيش ونحوه مما يجمع في اليد.
(6) - من العَبَلات: العبَلات: أُمية الصغرى من قريش، والنسب إليهم: عَبَليُّ.
(7) - مجفف فرس مجفَّف: عليه تجافيف، وهي ما يستره في الحرب خوفا عليه مما يؤذيه من سلاح وغيره، فهو في الخيل كالمُدَجَّج من الرِّجال، وهو المنغمس في الدرع والسلاح.
(8) - بدء الفجور: ابتداؤه وأوله، وثِناه: ثانيه، وقد يمدُّ.
(9) - طليعة الطليعة: الجاسوس.
(10) - بظهره الظهر: ما يُعَدُّ من الإبل للركوب والأحمال.