عن عبد الرحمن بن أيمن عن أبيه، قال: أتيت جابر فقال: «إِنا يوم الخندق نَحفِر، فعرضَتْ كُدْية [1] شديدة، فجاءوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا: هذه كُدْية عَرَضَت في الخندق، فقال: أنا نازل، ثم قام وبَطْنُه معصوب - ولبِثْنا ثلاثة أيام لا نَذُوقُ ذواقا - فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- المِعْوَلَ [2] ، فضرب، فعاد كَثيبا أَهْيَلَ [3] - أو أَهْيَم - فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إِلى البيت، فقلت لامرأتي: إني رأيتُ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- شيئا، ما في ذلك صَبْر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعَنَاق. فذبحتُ العناق [4] ، وطحَنَتِ الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة [5] ، ثم جئت النبي -صلى الله عليه وسلم-، والعجينُ قد انكسر، والبرمة بين الأثافِيِّ [6] ، قد كادت أن تنضَج، فقلت: طُعَيِّم لي، فَقُمْ أنت يا رسولَ الله ورجل، أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له. قال: كثير طَيِّب.
قل لها: لا تَنْزِع البرمةَ ولا اللحم، ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا، فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحكِ، جاءكِ النبي بالمهاجرين والأنصار ومَنْ معهم، قالت: هل سألك؟
قلت: نعم، فقال: ادخلوا، ولا تُضَاغِطُوا [7] ، فجعل يُكَسِّر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويُخَمِّر البُرمَة والتنور إِذا أخذ منه، ويقرّب إِلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يَكْسِر ويغرف حتى شبعوا، وبقي منه، فقال: كلِي هذا وأهْدِي، فإِن الناس أصابتهم مجاعة». [8]
(1) - الكدية: حجر صلب يعرض لحافر البئر فيتعبه حفره.
(2) - الفأس
(3) - الكثيب: المجتمع من الرمل.
(4) - العناق: الأنثى من ولد المعز.
(5) - برمة: البرمة: القدر من الحجر المعروف بالحجاز، والبرمة: القدر مطلقا.
(6) - الأثافي: الحجارة التي تنصب القدر عليها.
(7) - المضاغطة: المزاحمة في باب أو نحو ذلك.
(8) - صحيح البخاري: 6/ 46 وانظر فتح الباري: 7/ 279 و 280