الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُ: عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ جَنَّتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ أَوْ كَقَطْرِ الْمَطَرِ أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرَهَا - أَوْ لَغَفَرْتُهَا - أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ. وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْمُوبِقَاتِ. وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ. وَأَمَّا حِلَاقُكَ رَأْسَكَ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَلَقْتَهَا حَسَنَةٌ وَتُمْحَى عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةٌ. وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَطُوفُ وَلَا ذَنْبَ لَكَ يَأْتِي مَلَكٌ حَتَّى يَضَعَ يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفِكَ فَيَقُولُ: اعْمَلْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى" [1] ."
خطبة الوداع
الحديث التاسع
عن أبي بكرة -رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الزَّمانَ قد استدار كهيأته [2] يومَ خلق اللهُ السموات والأرض، السَّنةُ اثنا عشر شهرًا منها: أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثَةٌ متواليات: ذو القعدة، وذو الحِجَّة والمحرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ [3] الذي بين جُمادَى وشَعبانَ، أيُّ شهر هذا؟» قُلنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فَسكَت حتى ظنَنَّا أنَّه سَيُسَمِّيه بغير اسمه، فقال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أيُّ بلد هذا؟» قلنا: الله ورسُوله أعلم، فَسكَتَ حتى ظننَّا أنَّه سَيُسمِّيه بغير اسمه، قال: «أليس البلدَةَ الحرام؟» قلنا: بلى، قال: «فأيُّ يومٍ هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يومَ النَّحْر؟» قلنا: بلى، قال: «فإنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحُرمَةِ يومكم هذا في بلدِكم هذا، في شهركم هذا، وستلْقَون ربَّكم فيسألُكُم عن أعْمالِكم ألا فلا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يَضْرِبُ بعضُكُم رقابَ بعضٍ، ألا ليُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائبَ، فَلعلَّ بعضَ منْ يَبْلُغُهُ أن يكون أوْعى من بعض من سَمِعَهُ» ثم قال: «ألا هلْ بَلَّغتُ؟ ألا هل بلغت؟» قلنا: نعم! قال: «اللَّهُمَّ اشْهدُ» . [4]
(1) - رَوَاهُ الْبَزَّارُ. صحيح الترغيب والترهيب (2/ 5)
(2) -الزمان قد استدار: بمعنى: دار، وذلك أنَّ العربَ كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر، وهو النَّسيء، ويفعلون ذلك سنةً بعد سنةٍ، فينتقل المحرَّم من شهر إلى شهرٍ، حتى جعلوه في جميع شهور السنة، فلما كان تلك السنة كان قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل أن ينقلوه.
(3) -رجب مضر: أضافَ رجبًا إلى مُضَرَ؛ لأنهم كانوا يُعَظِّمُونَهُ، فكأنهم اختصوا به، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «الذي بين جمادى وشعبان» ذكره تأكيدًا للبيان وإيضاحًا؛ لأنَّهم كانوا يُنْسِئْونَهُ، ويُؤخِّرونَه من شهرٍ إلى شهر، فيحولونه عن موضعه، فبين لهم أن رجبًا هو الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا ما كانوا يسمون على حسب النَّسيء
(4) -أخرجه أحمد (5/ 37) ، والدارمي (1922) ، والبخاري (1/ 26) ،. ومسلم (5/ 108) ، والترمذي (1520) . والنسائي (7/ 220)