فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 111

رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فبينا هو على ذلك رأى رجُلا مُبَيِّضا يَزُول به السَّرابُ [1] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُنْ أَبا خَيثَمَة» ، فإِذا هُوَ أبو خَيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق بصاعِ التمرِ حين لمزَه المنافقون، قال كعبٌ: فلما بلغني أَن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد توَجَّه قافِلا [2] من تبوك، حضرني بَثِّي [3] ، فطفقتُ أَتذكَّرُ الكذبَ، وأَقول: بم أَخرجُ من سَخَطِهِ غدا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذي رأيٍ من أَهلي، فلما قيل: إِنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد أَظَلَّ [4] قادما، زاحَ عنِّي الباطِلُ، حتى عرفتُ أني لن أَنجوَ منه بشيءٍ أبدا، فأجمعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إِذا قَدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناسِ، فلَمَّا فَعل ذلك جاءهُ المُخَلَّفُونَ [5] ، فطَفِقُوا يعتذرون إِليه، ويحلفون له، وكانوا بِضعة وثمانين رجُلا، فقَبِلَ منهم عَلانيتَهم، وبايَعهم، واستغفر لهم، ووَكَل سرائرهم إِلى الله، حتى جئتُ، فلمَّا سلَّمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّم المُغْضَبِ، ثم قال: «تعالَ» ، فجئتُ أَمْشي، حتى جَلَسْتُ بين يديْهِ، فقال لي: «ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكن قدِ ابتعتَ ظَهرَكَ [6] ؟» قلتُ: يا رسول الله، إِنِّي -واللهِ- لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيتُ أَنِّي سأخرُجُ من سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، لقد أُعطِيتُ جَدَلا، ولكني -والله- لقد علمتُ لَئنْ حَدَّثْتُك اليومَ حَديثَ كذِبٍ ترضى به عني، ليوشكنَّ اللهُ أن يُسخِطَكَ عليَّ، ولئَن حَدَّثتُكَ حديثَ صِدقٍ تَجِدُ [7] عليَّ فيه، إِني لأرجو فيه عُقْبى الله عز وجل - وفي رواية: عفو الله - [والله] ما كان لي من عُذْرٍ، والله ما كنتُ قَطُّ أَقْوَى ولا أيْسرَ منِّي حين تَخَلَّفْتُ عنك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا هَذا فقد صدق، فَقُمْ حتى يَقْضيَ اللهُ فيك» ، فقمتُ، وثارَ رجالٌ من بني سَلِمةَ، فاتَّبعوني، فقالوا لي: واللهِ ما علمناكَ أَذنبتَ ذنبا قَبلَ هذا، لقد عَجَزتَ في أن لا تكونَ اعتَذَرْتَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذَرَ إِليه المُخَلَّفون، فقد كان كافِيَكَ ذَنْبَكَ استغفارُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فَوَ الله ما زالوا يُؤنِّبُونَني [8] حتى أردتُ أَنْ أرجعَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُكَذِّبُ نَفسي، قال: ثم قُلتُ لهم: هل لَقِي هذا مَعي من أحَدٍ؟ قالوا: نعم، لَقِيهُ مَعَكَ رَجُلانِ، قالا مِثلَ ما قُلتَ، وقيل لهما مثلَ ما قِيلَ لكَ، قال: قلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بن الرَّبيع العامِريُّ، وهِلالُ ابنُ أُمَيَّة الواقِفيُّ، قال: فذكروا لي رجُلين صالحَيْنِ قد شَهِدا بَدرا، ففيهما أُسْوَةٌ، قال: فمضيتُ حين ذكروهما لي، قال: ونهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أَيُّها الثلاثةُ من بينِ من تَخَلَّفَ عنه، قال: فَاجْتَنَبَنَا الناسُ - أو قال: تغيَّرُوا لنا - حتى تنكَّرَتْ ليَ في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرف،

(1) - يزول به السراب: زال به السراب يزول: إذا ظهر شخصه خيالا فيه.

(2) - قافلا: القافل: الراجع من سفره إلى وطنه.

(3) - بثي: البث: أشد الحزن، كأنه من شدته يبثه صاحبه: أي يظهره.

(4) - أظل: الإظلال: الدنو، وأظلك فلان: أي دنا منك، كأنه ألقى عليك ظله.

(5) - المخلفون: جمع مخلَّف، وهم المتأخرون عن الغزو، خلفهم أصحابهم بعدهم فتخلفوهم.

(6) - ظهرك: الظهر هنا: عبارة عما يركب.

(7) - تجد: تجد من الموجدة: الغضب.

(8) - يؤنبوني: التأنيب: الملامة والتوبيخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت