فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 111

منِّي حين تَخَلَّفْتُ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوةِ، واللّهِ ما جمعتُ قَبْلَها راحلتين [1] قَطُّ، حتى جَمَعْتُهُا في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك لغزوة فغزاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شَديدٍ، واستقْبَلَ سفرا بعيدا، ومفازا [2] ،واستقبل عَدُوّا كثيرا فَجَلَّى [3] للمسلمين أمرهم ليتأّهَّبوا أُهْبَةَ غزوهم، وأخبرهم بوجْهِهم [4] الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتابُ حافظٍ - يريد بذلك الديوانَ - قال كعبٌ: فقلَّ رجل يريد أن يَتَغَيَّبَ، إلا ظَنَّ أنَّ ذلك سَيَخْفى مالم ينزل فيه وحيٌ من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمارُ والظِّلالُ، فأنا إِليها أصعَرُ [5] ، فتهجر [6] رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطَفِقْتُ أغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ معهم، فأرجعُ ولم أَقضِ شيئا، وأقول في نفسي: أَنا قادرٌ على ذلك إِذا أردتُ، فلم يزل ذلك يتمادَى بي، حتى استمرَّ [7] بالناس الجِدُّ، فأَصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادِيا، والمسلمون معه، ولم أقضِ من جَهازي شيئا، ثم غدوتُ فرجعتُ، ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى [8] [بي] حتى أسرعوا، وتفارطَ الغزوُ [9] ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فأُدْرِكَهُمْ، فياليتني فَعَلْتُ، ثم لم يُقدَّر ذلك لي، فَطَفِقْتُ [10] إِذا خرجت في الناس - بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْزُنُني أني لا أرى لي أُسْوَة، إِلا رجلا مغموصا [11] عليه في النِّفاق، أَو رجلا ممن عذَرَ اللهُ من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغَ تبوكا فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعبُ بن مالك؟» ، فقال رجل من بني سَلِمَةَ: يا رسول الله، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ [12] ، فقال له معاذ بن جَبَل: بِئْسَ ما قُلْتَ، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إِلا خيرا، فسكتَ

(1) - راحلتين: الراحلة: الجمل والناقة القويان على الأسفار والأحمال، والهاء فيه للمبالغة. كداهية، ورواية، وقيل: إنما سميت راحلة، لأنها ترحل، أي: تحمّل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كقوله تعالى {في عيشة راضية} الحاقة: 21 أي: مرضية. ورّي: عن الشيء: إذا أخفاه وذكر غيره.

(2) - مفازا: المفاز والمفازة: البرية القفر، سميت بذلك تفاؤلا بالفوز والنجاة، وقيل: بل هو من قولهم: فوَّز: إذا مات.

(3) - فجلا: جلا الشيء: إذا كشفه، أي: أظهر للناس مقصده.

(4) - بوجههم: وجه كل شيء: مستقبله، ووجههم: جهتهم التي يستقبلونها ومقصدهم.

(5) - أصعر: أميل.

(6) - فتهجّر: التهجير: معناه: المبادرة إلى الشيء في أول وقته، ويجوز أن يريد به وقت الهاجرة.

(7) - استمر الجد: أي تتابع الاجتهاد في السير.

(8) - يتمادى: التمادي: التطاول والتأخر.

(9) - تفارط: الغزو: تقدم وتباعد: أي بعد ما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المسافة.

(10) - طفقت: مثل جعلت.

(11) - مغموصا: المغموص: المعيب المشار إليه بالعيب.

(12) - والنظر في عطفيه يقال: فلان ينظر في عطفيه. إذا كان معجبا بنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت