من الحمق بمكان أن نطفئ سراج عيوننا عن الواقع الذي مرت به لغتنا الرؤوم، فأين الوفاء بذلك؟ وأين حفيف الانتماء للغة أعطتنا حتى بنت كياننا؟
هذه الأغلال الثقيلة، والإنتكاسات المتتالية، والاستهتار من جانب أبناء اللغة في صيانتها من التحريف، كل ذلك قادنا إلى نفق مظلم، صرنا فيه نسير يمنة ويسرة على غير هدى، حتى استبيحت القواعد، واحتلت البلاغة، وأُسر البديع، وانهار صمود المبنى، وباتت اللغة تشكو إلى الله ما نابها من البلاء.
وبصبر جميل، تلقف الجيل الحاضر من الأدباء والشعراء هذه اللغة وما فيها من العيوب التي يندى له الجبين، فبنى عقله وفق هذه المشارب العكرة، وترعرع على اضطراب لغة تئن، حتى صارت المدارس تنزل بمستوى الحديث إلى مرتبة واهية لكي يستطيع الطلبة فهمها، فبدل أن تخطوا الأمة خطوات النهضة، صارت أكثر العقبات تواجهنا هي كيفية بناء المنطلقات السليمة للغة التي سيبدأ منها أي إبداع.
لقد قمت بتدريس اللغة العربية، واطلعت على المستوى التعليمي الذي تضمنته المناهج، ولست ألوم واضعها - مع وجود بعض الأخطاء والعثرات - ولكني أقدر أن بعد الناس عن اللغة في الخطاب الإعلامي والمجتمعي والأسري سلّم المدرسة نماذج من"الطلبة الخام"، تقتضي الضرورة أن تتدرج معهم في ألف باء اللغة حتى ولو مضى على التحاقهم بالمدارس سنوات طوال.
ازاء هذه المعلومات المقيدة، نزل سقف العطاء العام، وصار الطالب ينتقل من مرحلة التعليم الأساسي إلي الثانوية وهو يحمل مفاتيح التعامل مع اللغة فقط، حتى إذا وصل إلى مرحلة الدراسة العليا كان حاله لا يعدو أمرين:-