به مواهبه، فصار يضع ذلك بأسلوبه الخاص، ويصقل الحروف والكلمات ليقدمها للسامع مادة أدبية زاهرة زاهية.
فقد عُرف في تاريخ العرب"أسواق الأدب" [1] ، وهي مواطن تجمّع الشعراء، تستقطب الناس من الأمير إلى الحقير، ومن الوزير إلى الفقير، ليستمع الجميع إلى الإبداع العربي المتّقد، وإلى جودة الصياغة، ورصانة الألفاظ، وبديع النسج، عدا عن السجال الشعري والنقائض التي كان يخوضها عدد من الشعراء الأفذاذ.
وكيف لنا أن نغفل إعزاز العرب لرواد الأدب، ونحن نعلم أن العرب قد وضعوا لآلئ النظم الشعري في أقدس البقاع، فها هي المعلقات السبع بعد أن حازت من المناقب والصفات العجب العجاب تدخل جوف الكعبة، رفعة لها ولمن نظموها، وإفتخارًا بمادة أدبية تتباهى بها الأجيال [2] .
لكن، وبكل الأسف، فقد تعرضت لغة الضاد إلى أبشع حملات التشويه والدسّ، لتفريغها من الروعة، ولإنزالها عن عرش اللغات، فضعفت اللغة، وإندثرت كثير من المصطلحات، وفقد اللسان العربي رصانته إلى حد كبير، مما إنعكس على مستوى التأليف الشعري، فالشعراء في العصر الحديث ورثوا لغة مثقلة بالهموم والإشكاليات، وحملوا عبئًا مزدوجًا، عبء الحفاظ على رونق اللغة وقوتها، وجزالة ألفاظها، وعبء التطور الشعري فيها.
ولايجوز لنا بحال أن نعيب على شاعر، بحال قارنّا قصائده بالمعلقات السبع فوجدنا فارقًا ضخمًا، فلهذه زمان ولهذه زمان، وإن من أبلغ التضحية وأحكم الخطوات أن تبعث في اللغة بعدما ضربت في مقتل: روح الإنتعاش من جديد، مع أملنا الوافر بعودة اللغة إلى سلامتها
(1) من أشهرها سوق عكاظ وذي المحنة وذي المجاز.
(2) مقدمة كتاب: شرح المعلقات السبع، عبدالله الحسن بن أحمد الزوزني (ت 486 هـ) تحقيق محمد الفاضلي، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى 1998 م، ص 5 - 6