الحمد لله جل في الثناء، وتفرد بالبقاء، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له آمنا بقضائه، واستسلمنا لقدره، فلا راد لما أراد، ولا مغير لما قضى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فأعزيك أولا بختام شهر رمضان الكريم بأن أدعو الله تعالى أن يتقبل منك ومني ومن جميع المسلمين صالح أعمالهم، وأهنئك بحلول عيد الفطر المبارك، ودعني أتأمل معك مظاهر هذا العيد وجمالياته ووقعه على وجداننا ..
العيد ـ أخي الكريم ـ حياة جديدة تجدد لنا أثواب الوجود المنظور، فتحيي فيه أسمى معاني الحب والإخاء والألفة، تذكرك برحم مقطوعة فتصلها، وبصديق مهجور فتجدد صلتك به، وبمشاحنة قديمة تسببت في قطيعة فتكون فرصة تناسيها أو علاجها. وتنشر الابتسامات الصافية على الشفاه، فتنتزع الأحقاد، وتشفى النفوس، وتريح القلوب.
العيد شعيرة عظيمة، يمتثل لها جميع أفراد المجتمع المسلم بلا استثناء. فليس هو فرحا بعرس خاص بأسرة أو بقوم، وليس هو سرورا بنجاح أفراد، إنه فرح مشترك بين جميع أفراد المجتمع، وهنا تكمن قيمته الاجتماعية، فإنك تهنئ الجميع بلا اختيار أو انتقاء، وتدعو للجميع بكل حرارة وإخلاص ربما دون أن تعرف صاحبك. وهذا ما يعمق الأخوة الإيمانية بين المسلمين، ويشعرهم باشتراكهم في مشاعر واحدة.
العيد يوم الزينة التي لا يراد منها سوى إظهار نعمة الله تعالى عبده، لكن دون خيلاء ولا مباهاة ولا استعلاء على الخلق.
العيد يوم الفرح والسرور، والتوسعة على العيال في المأكل والمشرب، واللهو المباح، ولكن دون أن يتجاوز ذلك إلى الإسراف واللهو المحرم.
العيد يوم التفسح والتنزه، والخروج من الدائرة الخاصة إلى دوائر أوسع، ولكن دون سفور وتحلل واختلاط محظور.
العيد فرحة بانتصار الإرادة الخيرة على الأهواء والشهوات والشياطين، والرضا بطاعة المولى عز وجل، وانتظار الوعد الكريم بالفوز بالجنة والنجاة من النار. ولكن دون أن تنسي هذه الفرحة بالنصر في تلك الجولة أن صراع النفس المؤمنة مع أعدائها الثلاثة سيظل مستمرا في جولات لا تكف حتى يموت الإنسان.