فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 66

الحمد لله شرح صدور المؤمنين لطاعته، وأعانهم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد

فإن مما يلفت النظر في مائدة الإفطار ـ وقد تحدث عنه كثيرون ـ كثرة ما يصنع فيها من مطعومات، مما يؤدي بالتالي إلى زيادة الرغبة في الإكثار من الأكل والشرب، بعد صيام أكثر من اثني عشر ساعة، فيتسبب ذلك في عسر الهضم، وثقل النَّفَس، وكسل الجوارح، وليس بعد العشاء إلا صلاة العشاء وسنتها الراتبة والتراويح، وهي صلاة لا تقل عن سبعة عشر ركعة لمن يريد أن يحظى بأجر القيام حتى ينصرف الإمام، والتي يؤجر صاحبها بأجر من قام الليل كله. وكان ينبغي أن يقبل المرء منا عليها بنشاط وحيوية، ولكن نشاط الجسم سينصرف حينئذ إلى المعدة التي تحتاج لإتمام عملية الهضم طاقة كبيرة حين يكون الأكل كثيرا ودسما. فلماذا لا نحاول أن نجتزيء من طعامنا بعضه إلى ما بعد الصلاة؛ بنية الخشوع فيها، فيبارك لنا فيه وفيها.

وليست مشكلة كثرة الأكل، في طعام الإفطار الرمضاني وحده، وإنما هي مشكلة عامة تعاني منها كثير من الأسر، حتى أصبحت ظاهرة السمنة من أخطر الظواهر الصحية التي تهدد صحة الناس اليوم. فلماذا لا يكون بداية الترشيد الغذائي في حياتنا منذ رمضاننا هذا.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ؛ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) )، رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد وهو صحيح.

قيل أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارشيات، ودكاكين الصيادلة، وإنما قال هذا لأن أصل كل داء التخمة.

إن التوسط في كل الأمور ميزة هذه الأمة المحمدية، وقضية الأكل والشرب لم تترك للرغبة الشخصية التي قد تجمح بالإنسان لما قد يضره، ولكن قال فيها المولى عز وجل {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} ، وقد روي في الأثر: (( إِنَّ مِنَ السَّرَفِ أَنْ تَأْكُلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ ) )رواه ابن ماجه وأبو يعلى، وهو ما نشاهده في موائد كثير من الناس اليومية، التي أصبحت كأنها معارض لمطاعم، أو ولائم لضيوف، وليس ثمة ضيوف، وإنما هو السرف والشره، فيأكلون ما يزيد عن شبعهم ويزيد، فيتخمون ويمرضون، والباقي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت