فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 66

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، وقدوة المهتدين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، ... أما بعد:

المؤمن في رمضان كالتاجر ليلة العيد، كل منهما يخاف أن ينقضي الزمن قبل أن يروج بضاعته، فالموسم قائم، والسوق نافقة. وفرق بين من يجمع لدنيا فانية، وبين من يجمع لجنة غالية، عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. وإذا كان المنافق يطول عليه الشهر؛ لأنه يصادم ملاذه، ويجبره على ما لا يحب، فإن المؤمن يشعر بالشهر يتصرم منه بسرعة، ولا يكفي كل طموحاته التي كان قد استعد لها قبل وروده.

ومن هنا يتعلم المؤمن في مدرسة رمضان قيمة الزمن، والتي هي من أجل نعم الله تعالى على العبد، فالوقت هو حياتنا، وهو الجوهر النفيس الذي شرفه الله تعالى، فأقسم بأزمانه المختلفة، في كتابه العظيم، وقال عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ ) )رواه البخاري.

والوقت يشرف بما يمر به من الفضائل والأعمال: فالوقت في رمضان أثمن بلا شك منه في سائر الشهور، حاشا العشر الأول من ذي الحجة، فإن أيامها أفضل من أيام هذا الشهر العظيم، وإن كانت الليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي تلك الأيام، ولذا ولأهمية الوقت عموما، ولأهميته الخاصة في رمضان، كان لا بد للمسلم أن يعطيه اهتمامه كله، فلا يسمح لنفسه أن يريقه في أي درب من دروب اللهو والضياع، كيف وقد فتحت أبواب الجنة لعشاقها، وأوصدت أبواب النار أمام خائفيها، ونصبت موازين الخير لروادها، وراحت كل دقيقة من دقائقه تهتف للمؤمنين: هل من مشمر للطاعة؟ هل من راغب في الاستزادة من البر والخير؟

استمع يا محب الخير فلعلك تزداد طلبا له، واستمع يا من لم توقظه شهقات المتبتلين، وأصوات المصلين، ولم تخشع قلبه دمعات الطاهرين، ولم تفزعه مطارق الموت المتواصلة على مر الليالي والأيام؛ يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (( ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه ونقص فيه أجلي، ولم يزد عملي ) ).

إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ... ولم أقتبس علما فما ذاك من عمري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت