الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أهله، وما كنا لن هتدي لولا أن هدانا الله، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن مما يشرح الصدور، ويسعد القلب هذه الصور الإيمانية الرائعة في بيوت الله في هذا الشهر الكريم، حيث تستعيد النفوس في طاعاتها صور الخشوع التي كنا نسمع عنها في حياة السلف الصالح، حين ينصرف المسلم بكل قلبه وقالبه عن الدنيا وما فيها، إلى الله تعالى وحده لا شريك له في ذلة وخضوع وانكسار.
وتتجلى هذه اللذائذ في الصلاة، تلك العبادة العظيمة التي نعيشها بكل حواسنا، نناجي فيها ربنا، ونغسل بها أدراننا، ونريح بها خواطرنا، ونلتقي في ظلها بإخواننا، إنها جنة من الأمان والاطمئنان لا يعرفها إلا الخاشعون، ألم يقل الملك العليم: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} .
الصلوات مصارع الذنوب وبساتين الثواب: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ) )رواه الشيخان.
الصلوات منابر الوعظ، ومرققات القلوب، ومفر الأفئدة، يقول الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} . بها عمارة بيوت الله {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة} . وأهلها هم أهل الله وضيوفه وعباده: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار & ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} .
الله .. ما أحسن هذه البشائر وما أجملها وما أكملها .. إنهم ينالون أجور أفضل أعمالهم، ويزيدهم الكريم المنان من فضله، ويفتح لهم بابا من الأجر بغير حساب.
ولكن الصلاة ليست حركات تؤدى، وألفاظا تردد، فحسب، بل هي ما وراء ذلك من استسلام وخشوع وتذلل بين يدي الله تعالى، وإخلاص وإنابة ورغبة ورهبة تثيرها الآيات المرتلة، والأذكار المتلوة، في تدبر وتأمل.