الحمد لله الذي سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه؛ نعمة وتفضلا. أحمده تعالى على آلائه الجسيمة، وأشكره على مننه الجزيلة، حمدا يملأ السماوات والأرض، وشكرا يكافئ مزيده، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، لا خير ... إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا حذرها منه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فها نحن في ختام هذا الشهر المبارك، نقف على حافة الوداع، لنستودع الله تعالى ما وفقنا لعمله من الصالحات، ونحن نرجوه ـ عز وجل ـ أن يستر عيوبنا، ويجبر تقصيرنا، ويتجاوز عن خطايانا، ويبارك في حسناتنا.
وإن في ختام هذا الشهر لعبرة للمعتبرين، فكما ختم الشهر هذا اليوم أو غدا فسيختم العمر اليوم أو غدا، وكما التفتنا إلى ما مر من أيامه نفرح بطاعاتنا، ونستغفر الله من سيئاتنا، فجدير بنا أن نتذكر بأن هذا هو ما يجب علينا أن نقوم به في سائر حياتنا، فنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ونزن أعمالنا قبل أن توزن علينا.
وقد نبه الله تعالى إلى أهمية حسن الخاتمة، حتى لا يغتر مغرور بعمله؛ ثم يصدم بما لا وقت فيه لتوبة أو أوبة فقال تعالى: {يا أيها الذين اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، فإن العبد قد يكون مجتهدا في الطاعات، مبتعدا عن المعاصي مدة طويلة من عمره، وقبيل وفاته يقترف السيئات، ويجرؤ على المعاصي؛ مما يكون سببا في أن يختم له بخاتمة السوء، قال صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ
النَّارَ )) رواه الشيخان.
وقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة خوفا شديدا، قال سهل التستري: (( خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة وعند كل حركة وهم الذين وصفهم الله تعالى {وقلوبهم وجلة} ) ). لكن ذلك لا يعني انقطاع الرجاء في عفو الله، ولكن الخوف يغلب في حلال الرخاء، والرجاء يغلب في حال الشدة. ولا سيما إذا قاربت الوفاة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ) ). رواه مسلم.