فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 66

الحمد لله حمد الشاكرين الأبرار، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الغفار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار، أما بعد:

فما أرق القلوب المؤمنة حينما تقبل على الله في مثل هذه الليالي العشر، وقد اغتسلت بالصيام خلال النهار، وتهيأت للقيام في الليل، تركت كل ملذاتها لتقف بين يدي الله في خشوع طالما اشتاقت إليه في سائر العام، وراحت تنشد في همس:

ألا يا عين ويحك ساعديني ... بطول الدمع في ظُلَم الليالي

لعلك في القيامة أن تفوزي ... بخير الدهر في تلك العلالي

إنها كلما دب الفتور إليها تذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) )رواه الشيخان، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من قام مع الإمام حتى ينصرف غفر له ما تقدم من ذنبه ) )رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وتذكرت أقواما كانوا يدخلون المسجد للعشاء فما ينصرفون إلا قبيل الفجر .. يركضون للسحور قبل فوات وقته.

ولكن القيام في الواقع ليس لرمضان وحده وإن كان فيه أفضل، فالله تعالى قد أمر به تطوعا غير مشروط بشهر بعينه فقال سبحانه: {قم الليل إلا قليلا} ، وامتدح المؤمنين الذين {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون} . وكان ذلك شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه.

أولئك أقوام كان القيام في حياتهم جزءا لا يمكن أن يستغنى عنه، حتى ورد في صحيح البخاري أن أبا عثمان النهدي نزل ضيفا على أبي هريرة رضي الله عنه سبعة أيام فرأى أبا هريرة وزوجه وخادمه يقتسمون الليل أثلاثا.

يقول أبو سليمان الداراني: (( والله لولا قيام الليل ما أحببت الدنيا، ووالله إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل النهار في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها طربا بذكر الله، فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم إنهم لفي نعيم عظيم ) ).

ها أنت ذا ـ يا أخي ـ سمعت ما كان يفعله القوم، فهل اشتهت نفسك نعيمهم، وهل اشتاقت روحك إلى مثل خلوتهم مع ربهم وبارئهم .. لا شك أنك إن شاء الله حدثت نفسك بمثل ذلك، ولكن لتعلم أن نفوسهم خفت إليه حينما طهروها من الذنوب والمعاصي، حينما اشتكى رجل للحسن البصري فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت