فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 66

الحمد لله ولي الحمد وأهله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين أما بعد.

فإن رمضان هو الشهر الذي يتربى فيه حس المؤمن بكثافة شديدة على عزائم الأمور، تلك التي لا يتوقع أبدا أن نفسه ستطيعه فيها يوما ما، بل كثيرا ما تتأبى عليه، وترفض الاستجابة له حين يدعوها إلى تطبيقها، ومن ذلك: الورع، هذا الخلق الإيماني العظيم الذي قل من يأخذ به في أيامنا هذه، لمشقته على النفس اللاهية، وعظم أمره.

إننا نرى المستفتين في رمضان يسألون عن حكم بلع الريق، وعن الحقن الطبية، وعن الكحل، وعن شربة الماء مع أذان الفجر، وعن البخاخ الطبي، وكلها أسئلة لها دلالة كبرى على ورع ناشئ عن حرص على تمام الصيام، وعدم جرحه بأي شيء. وأسئلة أخرى عن زكاة الحلي الملبوس، وعن الزكاة على الأقارب، وعن حكم إخراج الزكاة للمحتاجين في الخارج، وكلها أسئلة تنم عن ورع وحرص على قبول العمل الصالح.

وقل مثل ذلك في كثير من الأسئلة التي تدل دلالة واضحة على أن رمضان أنعش الحساسية المرهفة في نفس المؤمن، التي يجب أن تكون منتعشة دائما في سائر أيام حياته، ولكنها الدنيا، والتشاغل فيها بالتكاثر والتفاخر، مما يلهي، ويطغي. فأين هذه الأسئلة طوال العام عن الرشوة والربا، وعن المسابقات المشبوهة، والمعاملات المالية الغامضة، وعن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في شتى ضروب الحياة، باسم الجهل وعدم العلم بالأحكام.

الورع سمة الأتقياء الأنقياء، وهو من أجل قواعد الدين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والأصل فيه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (( الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) )رواه الشيخان. فبين الحلال والحرام الواضحين ما قد يجهل المسلم حكمه، فيبقى في منزلة الشبهات، فمن تركها لله خشية من الوقوع في الحرام، فقد أمن، ومن اجترأ عليها فإنه قد عرض نفسه للوقوع في الحرام، ومن يقترب من الحمى يوشك أن يرتع فيه. ولذلك جاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: (( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت