فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 66

وقد تحول هذا المفهوم النظري في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمل يومي يعيشه صلى الله عليه وسلم، الذي وجد تمرة ذات يوم وهو سائر في طريقه فقال: (( لولا أني أخاف أن تكون من إبل الصدقة لأكلتها ) )متفق عليه.

والورع ليس ادعاء ولا حديثا يطيب للسمار، بل هو عمل يشق على النفوس الواهنة المشغوفة بالدنيا، حين تشتبه الأمور فتتمتم: ما دام أن الأمر فيه خلاف فلا بأس إذن، وما دام الأمر ليس واضحا فلا حرج علي، ويذهب يسوق الأعذار لنفسه كلما تبهرجت له حلة من زينة الحياة الدنيا؛ حتى لا يفرق بين حلال وحرام.

والذي انتشر نوع غريب من الورع، فأنت ترى ـ كما يقول ابن الجوزي رحمه الله ـ (( كثيرا من الناس يتحرزون من رشاش نجاسة، ولا يتحاشون من غيبة، ويكثرون من الصدقة، ولا يبالون بمعاملات الربا، ويتهجدون بالليل، ويؤخرون الفريضة عن الوقت، في أشياء يطول عددها من حفظ الفروع وتضييع أصول، فبحثت عن سبب ذلك فوجدته في شيئين: أحدهما: العادة، والثاني غلبة الهوى في تحصيل المطلوب، فإنه قد يغلب، فلا يترك سمعا ولا بصرا، وفي الناس من يطيع في صغار الأمور دون كبارها، وفيما كلفته عليه خفيفة أو معتادة، وفيما لا ينقص شيئا من عادته في مطعم أو ملبس ... حتى قال يرحمه الله: فالله الله في تضييع الأصول ومن إهمال الهوى، فإنه إن أهملت ماشيته نفشت في زروع التقى ) ).

فلنتعلم من رمضان فن الورع، قبل أن يتصرم من أيدينا إذ ما أحوجنا إليه في زمننا هذا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واغفر لنا ربنا إنك أنت السميع الغفار، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه والأبرار.

وإلى لقاء في رحاب النور السادس بإذن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت