الحمد لله كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فإن المسلم في شهر رمضان المبارك أمام أيام معدودة، لا يمكن الزيادة عليها أبدا، تبدأ في لحظة من عمر الدهر، وتنتهي في لحظة أخرى منه محددة بدقة متناهية، ولذلك فإن أي تفريط في العمل الصالح فيه، أو تأجيل له يعد خسارة كبرى.
فإذا كان الواحد منا يمكنه أن يؤجل صيام النافلة ـ دون عذر ـ إلى يوم آخر، وعمرته النافلة ـ في غيره ـ إلى شهر آخر، ومثلها سائر العبادات، فإن الأمر مختلف تماما في هذا الشهر، فليس لأحد أن يؤجل فيه صوما دون عذر، ولا نافلة إلا فقد من أجرها كثيرا مما كان يمكنه الحصول عليه فيه.
رمضان شهر العزيمة على الرشد، والفورية التي لا تقبل التردد، شهر ليس فيه شيء اسمه تأجيل وتسويف، بل مبادرة ومسارعة للخيرات.
ومثل هذا السلوك الرفيع جدير بنا أن نتعلمه من رمضان لحياتنا كلها، فلقد أصبحت ظاهرة التسويف للأعمال الأخروية والدنيوية عامة الشيوع في حياة الناس، حتى لصقت بشخصيات كثير منهم بغير سبب مقبول، فهو سوف يتوب بعد أن يبلغ الأربعين، وهناك سوف يحافظ على الصلاة في المسجد، وسيقوم بحفظ القرآن إذا انتهى من عمله الحالي، وغدا سوف ينهي بعض الإجراءات الإدارية، ولا بد أن يأتي اليوم الذي يضع فيه حدا للعب أولاده مع أصحاب السوء، وإذا عاد من الإجازة سوف يأتي على جميع هذه المعاملات النائمة فوق مكتبه؛ لينهي مأساة كثير من المنتظرين على بوابة القهر والوعد اليومي، ولن ينتهي هذا الأسبوع حتى يكون قد لبى جميع طلبات أولاده الدراسية وهكذا تمر الساعات والأيام والشهور ولم يحدث من ذلك إلا قليل.
لقد نبه النبي - صلى الله عليه وسلم - القلوب الإنسانية المؤمنة بقوله: (( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ ... أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ) )رواه البخاري.
ولعل من أبرز أسباب انتشار هذا المرض نشأة الأولاد في بيت قائم على التسويف، فالوالدان كل ما طلب منهم شئ كان الجواب: ليس الآن، بعد غد إن شاء الله، وهكذا ينشأ الطفل على ذلك:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه