فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 66

اللهم لك الحمد أنت وليُّ الحمد وأهلُه، وأنت ولينا في الدنيا والآخرة، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تغفر لنا بكرمك، وأن تجيرنا من النار برحمتك، ونسألك يا مولانا الرضا بعد القضا، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقا إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

فمن المعروف أن كل خلق وكل مهارة تحتاج في اكتسابها إلى تدريب، ولذلك قيل: الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم، وإنما تدرك معالي الأمور بالبذل والتضحية.

وشهر رمضان هو شهر الجود، فيه تسخو النفوس وتبذل، وفيه ترتفع الهمم وتعلو، وقد علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ذلك عملا وقولا، فقد كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.

وها نحن أولاء نشاهد يوميا تدفق الصدقات والزكوات من المحسنين والمحسنات على الفقراء والمساكين، وتنتعش سوق المؤسسات الخيرية، ويقبل المسلمون إقبالا منقطع النظير على دعم المشروعات الخيرية.

ورائدهم في ذلك، ودافع نفوسهم هو المبادرة للخيرات في شهر تضاعف فيه الدرجات والحسنات، حتى إن كثيرا منهم يجعل مدار الحول في زكاته رمضان.

ولكن الفقر ليس شهرا واحدا، وإلا لقضى عليه شهر الصوم، ولكنه على مدار الدقيقة طوال العام؛ ولذلك تزداد حاجة الفقير إلى المال كلما طال به الأمد عن رمضان، مما يؤكد الحاجة الماسة إلى استمرار الإنفاق طوال العام، وهذا يتطلب جوا نفسيا وروحيا يستمر في نفس المسلم، لا ينطفيء.

رمضان هو نقطة الانطلاقة في إحداث تغيير نفسي من حالة الجمود عن البذل بعده، إلى حالة حب البذل، والشوق إليه، والبحث عن الآخذ، ولن يحدث ذلك إلا في أحوال معينة منها: أن تكون النفس مجبولة على الكرم أصلا، أو أن تكون قد قهرت جبلة البخل فيها بآيات الإنفاق التي منها قوله عز وجل: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ، أو أن تكون قد نجحت في اكتساب عادة البذل، والتي تصل بالإنسان إلى حالة الفرح بالإعطاء كالفرح بالأخذ أو تزيد، قال الشاعر:

تعود بسط الكف حتى لو انه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت