الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد
فإن بعض الناس في رمضان يقسمون أيامه قسمين؛ قسما لله يحرصون أن خالصا من كل المخالفات الشرعية؛ وهو النهار، حيث الصيام، وأداء الفرائض في المساجد، وملازمتها لقراءة القرآن، وتفطير الصائمين، والذكر ونحو ذلك، وأما القسم الآخر فهو الليل، ولا سيما قبل العشر الأواخر؛ حيث يتساهل الناس في قضائه بممارسة بعض العادات الضارة، وارتكاب الآثام التي اعتادوها؛ حتى أصبحت مما يؤنس به ولا يؤبه له، ولا سيما مشاهدة المنكرات في فضائيات السوء التي تزيد من حصة الفساد في رمضان؛ لتعكر على المسلمين صفاء روحانيتهم، وأثر العبادات التي يؤدونها في النهار، وتسوق النساء بشكل مثير للشباب المتسكع في ردهات المجمعات التجارية ونحوها، وكل ذلك له أثر خطير على السلوك، (( فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ) )رواه البخاري.
والصائم القائم مدعو أن يغار على محارم الله إذا هي انتهكت، فكيف برمضان، وما أروعَ الغيرةَ حينما تنطلق من قلبِ مؤمنٍ صادق، لا تنظر إلى مصلحة شخصية، ولا تتراجع من أجل مجاملة اجتماعية، بل تنتظم في مدارها الصحيح كوكبا دريا مضيئا؛ لتصل إلى هدفها العلوي في إنكار المنكر ودحره، والأمر المعروف وإقراره، ونشره والثناء عليه. بعلم وحكمة، لا بجهل وتهور، مستظلةً بدالية النبوة الناضرة، التي من قطافها قولُ الرَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ ) )رواه مسلم.
وما لنا لا نغار ونحن نرى بعض فتياتنا ـ حتى في ليالي هذا الشهر ـ يتهاونَّ بسمت الحجاب، تمشي إحداهن بين الشباب مشية المختالة، المعجبة بشبابها، الآمنة من عواقب السفور الوخيمة على حصون الستر والعفاف ..
لقد جهلت هذه الفتاةُ وتجاهلَ أهلها أن النظر بريد الزنا، وأن السفور دعوة سافرة للفاحشة، وأن التبرج استعداد مبطن لذوي النفوس الجشعة، الباحثة كالذئاب الجائعة عن لحوم مكشوفة، وأن الله تعالى ـ صيانة لعرض المسلمة ـ نهاها حتى عن إلانة الكلام للأجانب فقال: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} .