إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار، أما بعد
فإن من أجمل ما نراه في رمضان إقبال الناس على الله تعالى، والحرص على الطاعات بشتى وجوهها، والإقلاع عن كثير من المعاصي والخطايا، مستروحين شذا المغفرة، راجين الله تعالى أن يكونوا من عتقائه من النار.
ولا شك أن رمضان هو شهر التوبة، وشهر المغفرة، فرسولنا صلى الله عليه وسلم يحكي عن جبرائيل عليه السلام أنه جاءه فدعا فقال: (( من أدركه شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله .. قل آمين ) )، فقال الرسول: (( آمين ) ). رواه أحمد وهو صحيح.
وهي استجابة طيبة كريمة لمنادي الله تعالى في أول ليلة من هذا الشهر: (( يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ هَلُمَّ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ ) )رواه أحمد وهو صحيح لغيره وإسناده حسن.
وما أجمل أن يكون رمضان هو مكان ميلاد التوبة في النفس وزمنها، ذلك لأن التوبة كالنبتة الجديدة، التي تحتاج إلى مزيد اهتمام، فلو تركت ولو مدة يسيرة دون سقي ورعاية ربما ذوت وفقدت حياتها، ولكن رمضان بجوه الإيماني الشفاف، وما يمتليء به من فضائل الأعمال، وما يراه التائب فيه من إقبال الآخرين على الطاعة، كل ذلك مما يشجع على الاستمرار في التوبة، وتثبيت أركانها في النفس، والتي تتمثل في بغض الذنب والندم على فعله والإقلاع عنه، والعزم على عدم الرجوع إليه مرة أخرى، ورد الحقوق إلى أصحابها.
ولكن السنة ليست كلها رمضان، فإذا لم تكمن في هذه النبتة خاصية الرسوخ وتحدي التصحر والعوائق والتيارات، فإنها سرعان ما تصاب بالهزال، وتصفر، وتتشقق، ثم تموت لا قدر الله. فلا بد إذن من بنائها على أسس متينة، سداها النية الصالحة العازمة على الاستمرار على الطاعة حتى يلقى أحدنا ربه، راسخ اليقين، مطمئن البال، مرتاح النفس، وأن يرعى هذه التوبة طوال حياته بالبعد عن مواطن الخنا، من صحبة سيئة، وسفر مشبوه، ومناظر محرمة؛ سواء كانت حقيقية أم مصورة، ثم يقبل على الأذكار ليحفظه الله من اجتيال الشياطين، وعلى أداء العبادات فرائض ونوافل؛ ليحبه الله، ويكون من أوليائه الصالحين.