فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 66

الحمد لله قسم الأرزاق، وقدر الأقوات، وفضل بعض خلقه على بعض في المواهب والمهارات، وأشهد ألا إله إلا الله بيده مفاتح الخير في الأرض والسماوات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .. أما بعد ..

فإن مما تعلمته في هذه الحياة أن الإنسان طاقة هائلة، وكل فرد يكتشف منها ما يتناسب مع همته، وربما تقود المرء منا ظروف خاصة تدله على خصلة كان يجهلها من نفسه، فإذا انكشفت له فرح بها، وكانت له رافدا جديدا من روافد حياته، يستعين به على الإبحار في زوارق الأيام؛ ليصل إلى مبتغاه وهدفه بعون الله وتوفيقه.

وقد رأيت في رمضان منجما من الاكتشافات العظيمة للنفس الإنسانية، فالذي كان يعذر نفسه عن الصوم طوال أيام السنة يوما في الأسبوع، أو ثلاثة أيام في الشهر، ها هو ذا يصوم كل يوم، ويؤدي مع ذلك أعماله الدنيوية الأخرى بهمة ونشاط، والذي كان لا يعرف قيام الليل، ها هو ذا يصف قدميه كل ليلة أمام الله مصليا خاشعا مبتهجا، فما الذي حدث؟ الذي حدث هو أننا نكتشف في أنفسنا طاقة الصبر على طاعة الله، فنحسن استخدامها، مستفيدين من الجو المحيط بنا، والذي يعيننا بإذن الله على النشاط للعبادة غير كارهين.

الصبر ـ إذن ـ ثمرة من أنضر ثمار رمضان، ومن أجلها قدرا، ذلك لأننا نعيش في دنيا مليئة بما يحتاج إلى صبر ومصابرة، فالمعصية تعرض في أثواب مغرية براقة، والإعراض عنها يحتاج إلى صبر، والطاعة من طبيعتها تحتاج ـ للثبات عليها ـ إلى صبر {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} ، ومكدرات الدنيا أكثر من صافياتها وهي محتاجة أيضا إلى صبر. ولذلك فالمسلم محتاج إلى زاد وفير من الصبر والاحتساب لكل هذه الأمور التي يكابدها في حياته.

لقد علمنا الله تعالى هذا الخلق العظيم في نحو تسعين موضعا من القرآن الكريم، منها ما يبشر الصابرين بالأجر العظيم: {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ، أجرٍ ليس محدود العد {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ، وفي الحديث الشريف: (( ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) )رواه الشيخان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت