إن المؤمن الواثق بالله تعالى لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان إن هو فقد من صافيات الدنيا ما فقد، أما الإنسان الجزوع فإن له من سوء الطبع ما يضيق عليه مسالك الفرج إذا نزلت به نازلة أو حلت به كارثة، فإذا به يبحث عن مخرج منها ولو بالمحرمات أو بما يدنس المروءة ويشوه السمعة، فتراه يهرول إلى السحرة والكهان، أو يمد يده إلى الأراذل والأنذال من أجل تفريج كربته، وما علم أن من توكل على الله كفاه، ومن توكل على غيره وكله إليه. ومن فقد الثقة بربه اضطربت نفسه وساء ظنه وكثرت همومه، وضاقت عليه المسالك، وعجز عن تحمل الشدائد فلا ينظر إلا إلى مستقبل أسود، ولا يترقب ... إلا الأمل المظلم، وصاحب النظرة البعيدة واليقين الراسخ يتأمل في قصة الخضر مع موسى عليه السلام فيرى أن ما رآه موسى مصائب جرتها يد الخضر إلى قوم بريئين، ولكنها في الواقع مكمن السعادة لهم، فإنه حين عاب سفينة الفقراء حفظها لهم من الغصب والحرمان، وحين قتل الطفل حفظ بإذن الله على أبويه إيمانهما، وهكذا يجب أن تفهم المصائب.
وليعلم المبتلى بأن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، فالابتلاءات في هذه الدنيا مكفرات للذنوب ومن قابل المصيبة بقوله: {إنا لله وإنا إليه راجعون} فقد بشر بقول الله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} .
رمضان شهر الصبر، يمتحننا خالقنا فيه بالصبر حتى عن المباحات، فكيف عن المحرمات، ويرينا نفوسنا كيف تصفو إذا هي ارتاحت من كدر الذنوب وأقبلت على الطاعة، وتأمل نفسك قبيل الإفطار وأنت في جو بيت من بيوت الله، كيف رقت ونقيت من مكدرات الدنيا، وصفت من مباهجها وزخارفها، وتوجهت بكل خلاياها إلى الله تعالى في دعاء رقيق، يغمرك فيه شعور بإجابة الله لدعائك، وهناك تنطلق النفس على سجيتها؛ لتعرض على المولى القدير، القريب من عباده كل حاجاتها، وكل همومها، وكل ما تتمناه من خيري الدنيا والآخرة لها وللمسلمين. منتظرة بيقين وعد الله الحق: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} .
أخي المسلم .. أجاب الله دعاك، وتقبل صالح عملك ..
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واغفر لنا ربنا إنك أنت السميع الغفار، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه والأبرار.
وإلى شعاع النور الثالث عشر.