فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 66

الحمد لله المتوحد في جلاله، المتفرد في سلطانه، جل عن الشريك والند، وتنزه عن الصاحبة والولد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:

فها أنت ذا ترى ـ أخي الصائم ـ كيف تصرم الشهر منا، وذهب أكثره، ولم تزل أشذاء التهاني بقدومه تتهادى بين طيات الأثير .. وحين نحاسب أنفسنا عما فعلنا فيه سنجد أننا لم نقم إلا بقليل من كثير كنا قد خططنا لعمله وأملنا أن نقوم به.

لقد أخذت الراحة منا كل ما تشاء من الزمن، وأخذت ملذات الدنيا كل رغباتها المباحة .. وربما غير المباحة .. نسأل الله المغفرة، وأهدينا الأحاديث الودية والتسليات كل الساعات التي اختارتها بعناية من نهار أو ليل، ولكن الآخرة لم تأخذ إلا قليلا من حقها، ومع ذلك فقد داهمنا الإعجاب بما صنعنا حتى ليخشى على أعمالنا من ذهاب أجرها بسبب ذلك لا حرمنا الله وإياكم من كل بر.

وتكبر الأسئلة .. وتتشعب .. ويبكي التقي حينئذ ويبكي قلبه قبل عينيه ..

ترى هل قرأت من القرآن ما كنت أؤمل؟

هل تصدقت بالقدر الذي كنت أحبه لنفسي من الأجر؟

هل أدركت كل الصلوات فرائض ونوافل، ولم تفتني تكبيرة مع الإمام كما عاهدت نفسي أول الشهر؟

هل أعنت محتاجا، وفرجت كربة، وبادرت بالمشاركة في مشروعات الخير؟

لماذا كنت نشيطا أول الشهر ثم خف نشاطي، وتضاءلت طاقتي حتى خففت وقللت .. حتى وجدتني في منتصف الشهر غيري أوله؟

إن هذا يشي بطبيعة النفس التي تمل إن لم تذكر بالثواب، وطبيعتها إن لم يتحول ما تفعله إلى محبوب من محبوباتها تتجد عزيمتها من أجله كلما خمدت جذوته بسبب مرور الزمن، وطبيعتها إن لم تصف من الأكدار، وتخلص مما يميت نبضاتها، ويمرض عروقها، ويذهب إشراقاتها.

وإن هذا الداء هو الذي يواجهنا بعد رمضان، فنرى أنفسنا نتراجع عن كثير من العبادات التي كنا نعشق أداءها فيه.

ولعل من أسباب ذلك كثرة اللغو الذي حذرنا منه ربنا بامتداح من يعرض عنه فقال عز وجل: {واللذين هم عن اللغو معرضون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت