الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قدوة الصالحين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ... أما بعد
فإن من يتفكر في حال الإنسان وهو يعبر بحر حياته ير العجب العجاب، إن معظم بني آدم قد ألف أهوال بحرها، وانكسرت في نفسه حدة الخوف من لججها، وتناسى أن بين تضاعيف تلك الأمواج المتلألئة في ضوء الشمس، الهادئة حينا، المزمجرة حينا آخر، فكَّا متحفزا لابتلاعه، له لحظة رهيبة ينتظرها ليغيبه عن رحلته البحرية تلك، وهي لحظة مجهولة الزمن، ولكنها يقينية الحدوث، ومع ذلك فقد أصبحت في عرفه بعيدة الحضور، بسبب أشرعة الأمل الشفيفة التي نشرها فوق سفينته، فهي تخدعه بجمالها الوضاء، وطولها الفارع، وهي في الواقع تحمل أسباب تلك الصرعة المتوقعة بين حين وآخر، فكلما طال الشراع واتسع كلما كان فريسة أكثر إغراء للريح العاتية. وإنما يصرع المرء طول أمله، واغتراره بشبابه وقوته، وغفلته عن حقيقة الموت الذي يترصده.
وما كان هذا المثل تهمة مجردة أتهم بها كثيرا من الناس لا أبرئ نفسي أن أكون واحدا منهم، فما يحدث اليوم من بعضنا من تهاون بالواجبات، وتسويف في التوبة، وفرح وأي فرح بخلابات الدنيا وزينتها، وانغماس في المعاصي دون تراجع عنها أو حتى استنكار قلبي، كل ذلك برهان على ضعف الحس الإيماني في النفوس، وغياب استحضار تلك اللحظة الرهيبة التي ننتظرها جميعا.
ومن أقوى أسباب نشوء هذه الحالة المتردية بعد الإحساس بالخوف من الله، غياب الصور التي كانت ماثلة أمام أعين سلفنا الصالح عن أعين بصائرنا، فأمِنَّا وخافوا، فإن العبد كلما ازداد علما بالله كلما ازداد حبا له وازداد خوفا منه خشية منه: {والذين آمنوا أشد حبا لله} {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فلا عجب أن نسمع الرسول- صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم ولهم خنين ) )يبكون رضي الله عنهم، رواه مسلم.
لقد لازم الخوف من الله قلوبهم فكانوا يستحضرون عظمة ربهم في حال وحدهم (( رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ) )، وفي حال اجتماعهم، فهذا عبد الله بن حنظلة وهو على فراشه عليل، قد نسي علته، وغابت عن حسه آلامه حين تلا أحد عواده قوله تعالى: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} ،