فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 66

الحمد لله تفضل علينا بعبادته، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أعزنا بطاعته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد

فإن من أجمل المظاهر التي تتزين بها أيام رمضان ولياليه، هذا الإقبال المنقطع النظير على المساجد، لأداء الصلوات مع الجماعة، حتى من الذين يهجرونها في سائر العام، وهي في الواقع فرصة ثمينة للفريقين؛ الفريق الأول؛ أعني به المقبلين بعد هجران، أن يتذوقوا حلاوة الصلاة في المسجد، ويتعرضوا لنفحات الله فيه، ويحسوا بطعم العبادة المشتركة مع إخوانهم المصلين، ومن الجانب الثاني؛ أعني جماعة المسجد المداومين على الصلاة؛ أن يتألفوهم، ويعقدوا معهم علاقات الجوار والصداقة؛ لتتواصل صلتهم بهم بعد رمضان، فيسألوا عنهم إذا فقدوهم، ويرحبوا بهم إذا اجتمعوا بهم، فيكسبوا قلوبهم لدوام الصلة ببيوت الله، فيحصلوا على أجر هدايتهم ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.

إن الصلاة أمرها عظيم، ولها منزلة لا تعدلها منزلة أية عبادة أخرى، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، وهي فريضة دائمة مطلقة لا تسقط بحال، وهي أول ما أوجبه الله تعالى، وأول ما يحاسب عليه العبد، وآخر وصية وصى بها الحبيب صلى الله عليه وسلم، فإن ضاعت ضاع دين العبد كله.

وقد حرص السلف الصالح على حسن أدائها مع جماعة المسجد مبكرين لها؛ حتى إن سعيد بن مهران لم تفته تكبيرة الإحرام سبعين سنة، فأينهم من بعض المسلمين اليوم الذين لا يأتون المسجد إلا بعد سماع الإقامة في بيوتهم، حتى لتجد الواقفين بعد انتهاء الصلاة أضعاف الذين أدركوا الركعة مع الإمام، وآخرون اعتادوا أن يصلوا جماعة أخرى في المسجد ..

لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

إن المؤمن قلبه معلق بالمسجد، يخرج منه فيشتاق إليه من جديد، ولسان حاله يقول:

أحن اشتياقا للمساجد لا إلى ... قصور وفرش بالطراز موشح

وقد سطر الربيع بن خثيم موقفا عظيما في حياته، فها هو ذا بعد أن سقط شقه يهادى بين رجلين إلى المسجد، وكانوا يقولون له: يا أبا يزيد، لقد رخص الله لك، لو صليت في بيتك، فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح، فمن سمعه منكم ينادي حي على الفلاح فليجبه ولو زحفا، ولو حبوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت