الحمد لله أهل الثناء والحمد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فقد صح عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قوله: (( وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ) )رواه الشيخان.
كلنا نحفظ هذا الحديث، وكثير منا يتذكره وهو في حالته الطبيعية، فإذا استغضب نسيه، واستجاب دون تروٍّ لضغط الغريزة، وفقد السيطرة على نفسه، واندفع ينفس عن هذا الغضب بلسانه ويده، فإذا انزاحت سحابة الموقف، ورجع إلى نفسه وجد أنه كسر ما لا يجبر، وخرق ما لا يرقع، وربما طلق، وربما استقال من عمله، وربما هدم علاقاته بأصدق أصدقائه:
إن النفوس إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
ذلكم الغضب، الذي خصه الرسول صلى الله عليه وسلم بالنهي، حينما سأله أحدهم: أوصني يا رسول الله: قال: لا تغضب، فردد مرارا، قال: لا تغضب.
إن كثيرا من الناس يدعي قوة الشخصية، وصلابة المراس، واكتمال الرجولة، ولكنه ينهار عند أول موقف يستفز أعصابه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب ) )رواه الشيخان.
ويرجع (الغضب الزائد) ـ كما يقول أحدهم: (( إلى ردود أفعالنا الاعتيادية على أحداث تقع خارج نطاق سيطرتنا ) ) [1] ، أي أننا نقع تحت تأثير تصرفات لا نملك نحن إيقافها أو تغييرها؛ لأنها تصرفات غيرنا، ولذلك ليس أمامنا إلا أن نكون أكثر حزما مع أنفسنا بأن لا نعرضها لتغيير مشين يبدأ بشكل الوجه وينتهي بإصدار أفعال أو قرارات قد يعقبها ندم شديد، وخرق واسع، لا يمكن ترقيعه.
إن الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم، ومعنى ذلك أننا يمكن أن نتعلم الحلم ولو لم يكن من طباعنا، ومن الوسائل الناجعة لتغيير طبع الغضب في النفس: تدريب النفس على كبت شراراة الغضب قبل أن تكون نارا، مثل أن تقرر عدم الاستجابة السلبية للموقف الحادث أمامك منذ بداية حدوثه أو بعده مباشرة، وتهيئة النفس للمواقف الصعبة المثيرة لنار الغضب، وتوقعها قبل أن تحدث، مما يجعل وقعها غير مفاجيء،
(1) الدكتور ريتشارد كارلسون في كتابه لا تهتم بصغائر الأمور.