لك الحمد يا ربنا بما أعطيت وأوليت، ولك الشكر بما أجزلت وأكرمت، ولك الحمد بما حلمت وعفوت، ولك الحمد بما سترت وغفرت، الحمد كله لك، والشكر موصول لجنابك، والثناء استحقه سلطانك، تعطي وتمنع، وتحيي وتميت، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.
فقد استوقفتني فتوى الشيخ الراحل محمد بن عثيمين _ رحمه الله _ حين سئل عن موقف من رأى صائما يأكل في نهار رمضان ناسيا، قال: (( يجب عليه أن يذكره؛ لأن هذا من تغيير المنكر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ) )ولا ريب أن أكل الصائم وشربه حال صيامه من المنكر، ولكن يعفى عنه حال النسيان؛ لعدم المؤاخذة، أما من رآه فإنه لا عذر له في ترك الإنكار عليه )) .
إنها قضية في غاية الأهمية يشير إليها فقه هذه الفتوى، فالقضية ليست قضية خاصة بتنبيه الناسي والغافل المعفو عنه، ولكنها قضية دعوة إلى الله، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، لا تغيب بحال عن حس المؤمن بالله تعالى، وفق عدد من الأسس التي لا بد للداعي من فقهها قبل أن يقوم بممارسة هذه الدعوة.
إن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وظيفة المسلم في الحياة ورسالته، فردا وأمة، تسخر لها جميع الإمكانات التي تحتاجها، وتقدم على أوليات كثيرة، ولوتأملنا قول الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} يوسف 108 لتبين لنا أن الدعوة كما هي وظيفة حبيبنا محمد- صلى الله عليه وسلم - فهي مهمة اتباعه، كل بحسب طاقته استطاعته، لا يسعه تركها بحال من الأحوال إلا أن يحال بينه وبينها، وأن كمال نصيبه من متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقدار نصيبه من الدعوة، بل إن الصلاح الشخصي الذي لا يتجاوز صاحبه وهو يرى حدود الله تنتهك ومحارمه تستباح وهو بارد القلب هادئ البال لا يجديه غدا عند الله، فلقد أمرنا بهذا الواجب رسولنا صلى الله عليه وسلم أمرا صريحا (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ) )حديث حسن.
ومهما ساق المتقاعسون عن هذا الواجب من الأعذار فإنهم يقفون محرجين أمام قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( بلغوا عني ولو آية ) )رواه البخاري. فالذين يعتذرون بقلة العلم أين يذهبون من علم آية، والذين يعتذرون بعدم الاستطاعة أين يذهبون من تدرج حديث إنكار المنكر السالف الذكر. حتى