وفيه تعليم للأمّة وتربية أن تتّسع روح الجوار وتمتدّ، حتّى يرجع البلد العظيمُ، وكأنّه لأهله دار واحدة، يتحقّق فيها الإخاء بمعناه العمليّ، وتظهر فضيلة الإخلاص مستعلنة للجميع، ويهدي الناس بعضهم بعضًا هدايا القلوب المخلصة المحبّة، التي لا يحول بينها وبين اتّصالها ببعضها شيء من أمر هذه الدنيا ..
وليس العيد لمن لبس الجديد، إنّما العيد لمن خاف يوم الوعيد، وكان ممّن طاعاته تزيد ..
ليس العيد لمن تجمّل بالثياب والركوب، إنّما العيد لمن غفرت له الذنوب ..
ليس العيد لمن قتل أيّامه بالغفلات، إنّما العيد لمن استعدّ لما هو آت ..
ولقد عرف سلف هذه الأمّة العيد بهذه المعاني .. فغرسوها في أطفالهم، فكانت الأمّة أمّة الحقائق والمعاني السامية، لا أمّة المظاهر العابثة والحياة اللاهية ..
رأى عمر بن عبد العزيز أحد أولاده ليلة العيد عليه ثياب خلقة ـ أي بالية ـ فدمعت عينه، فانتبه الغلام لوالده، فقال له: ما يبكيك يا أبتِ.؟ فقال له: رأيت عليك ثيابًا خلقة، وغدًا عيد، فخشيت أن ترى الأطفال في ثيابٍ جديدة، فينكَسر قلبك .. فقال:"يا أبتِ إنّما ينكسر قلبك من أعدمه الله رضاه، أو عقّ أمّه أو أباه، وإنّي لأرجو أن يكون الله راضيًا عني برضاكما عني .. فبكى والده فرحًا بجوابه، واحتضنه، وقبّل ما بين عينيه، ودعا له بخير، فكان من أزهد أولاده من بعده .."