فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 389

يحصلوا، ولولا هذه المجامع لم يدركوا، فهذا من بركات الحج، حيث كان مباركا وهدى للعاملين.

ومن الحكم في ذلك: أن الله قال (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) [1] فذكر للحج مقصودين عظيمين:

ذكر اسم الله والثناء عليه وأنواع عبادته، كما تقدمت الإشارة إليه.

وشهود المنافع التي لا تتم إلا بتعدد هذه المواضع والعبادات وتنقلها من موضع إلى آخر، ومن عبادة إلى أخرى، كما تقدمت الإشارة إليه.

فكم حصل بهذا التعدد من أنواع المكاسب الدنيوية والتجارية وأصناف الأرباح، فكل موضع فيها يقوم فيه سوق كبير من أسواق التجارة

المتنوعة التي لا يمكن إحصاء مصالحها ومنافعها، كل هذه من بركات هذا النسك.

ومن الحكم في ذلك: أنه قد جرت عادات الأم بقيام التذكار لعظائمهم وكبرائهم إحياء لذكرهم وتعظيما لهم وإشارة بمجدهم ومآثرهم وتنشيطا للإقتداء بأعمالهم.

وأعظم الخلق على الإطلاق، أنبياء الله ورسله، فهم الرجال العظماء في الحقيقة، وأعظمهم مطلقا الخليلان إبراهيم، ومحمد صلى الله عليه وسلم.

والحج من أوله إلى آخره تذكرة لمقاماتهم السامية وأحوالهم الزكية وأعمالهم العالية، فكل مشعر مذكر بأحوالهم وما كانوا عليه، حاث على الإيمان بهم وتصديقهم وإجلالهم وإكرامهم وشدة محبتهم وقوة الاتصال بهم، الذي هو أصل الإيمان وأساس اليقين وطريق الفلاح والسعادة.

وقد أشار الباري إلى ذلك في قوله (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) [2] والمراد بذلك ـ على أصح القولين ـ جميع مقاماته في الحج بجميع مشاعره، ومصلى (ومعبدا) وتذكارا [3] .

وقد أوضح ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أتم توضيح بقوله عند كل فعل ومشعر من تلك المشاعر (خذوا عنى مناسككم) [4] ، (فمنها) عبودية لله من جهة الأمر والترغيب، (ومنها) إيمان بالرسل وتعظيم واحترام وحث على الإقتداء بهم ومحبتهم، وذلك أعلى الخصال وأكمل الأحوال، حتى أن فيها تذكيرا لمن يتصل بهؤلاء الرسل العظام.

كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في السعي بين الصفا والمروة، حيث ذكر قصة هاجر أم إسماعيل، قال (فلذلك يسعى الناس بينهما) [5] وكما رمل هو وأصحابه في

(1) - سورة الحج آية 28.

(2) - سورة البقرة آية 125.

(3) - والقول الثاني أن مقام إبراهيم هو موضع من المسجد الحرام؛ إما الحجر

وإما المقام المعروف، وانظر تفسير ابن كثير في تفسير هذه الآية، وكذلك تفسير الشيخ

عبد الرحمن بن سعدي حيث رجح في تفسيره ما رجحه هنا، وذكر أن القول الثاني هو رأي جمهور المفسرين.

(4) - هو حديث صحيح مشهور رواه الإمام مسلم وغيره، صحيح مسلم، كتاب الحج باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، راكبا وبيان قوله صلى الله عليه وسلم لتأخذوا عني مناسككم (9/ 44 نووي) .

(5) - إشارة إلى الحديث الطويل في قصة إبراهيم عليه السلام حينما

ترك زوجه هاجر وابنه إسماعيل عليه السلام، وسعي هاجر بين الصفا والمرة بحثا

عن الماء .. الحديث رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء، باب يزفون: النسلان في المشي، رقم 3364 (6/ 454) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت