أفصحنا في هذا الفصل عن آداب التأليف وأغراضه وشروطه، مشفوعة بنصائح للمؤلِّف.
اعتنى أهل العلم بوضع آداب للتأليف استحسنوها بمثابة قواعد أثناء كتابة النصوص ونقلها؛ منها:
-الأمانة في النقل؛
-عزوكلّ قول إلى قائله؛ قال السيوطيّ:"ومن بركة العلم وشُكره عزوه إلى قائله ... ولهذا لاتراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفًا إلا معزوًّا إلى قائله من العلماء، مُبَيِّنًا كتابه الذي ذكر فيه" [1] .
-الاحترام والتقدير والتواضع عند ذكر أهل العلم؛
-البُعد عن اللغوفي القول والفحش فيه؛
-في حال اختصار كتابٍ ما قد يؤدّي إلى أن يُدمج الكتابُ المختصر مع الأصل، فيصيران شيئًا واحدًا، ويضيع جهد المصنّف للأصل، ويهمل ذكره، وهذه جنايةٌ علميّة، ونُكران للجميل، ونسبة للفضل إلى غير أهله. والواجب المحافظة على الأصل، ونسبته إلى مصنّفه لا إلى مَن اختصره (انظر في ذلك فقرة عيوب الاختصار من هذا الفصل) .
لكلّ تأليف أوبحث غرض ومقاصد يرومها الكاتب ويصبوإليها؛ وقد ذكر الإمام ابن حزم (المتوفى سنة 456 هـ) في كتابه (التقريب لحدّ المنطق) ، وبسط ذلك العلامة ابن خلدون في (مقدّمته) فقال:
"ثمّ إنّ الناس حصروا مقاصد التأليف التي ينبغي اعتمادها وإلغاء ماسواها. فعددها سبعة:"
أوّلها: استنباط العلم بموضوعه، وتقويم أبوابه وفصوله، وتتبع مسائله أواستنباط مسائل ومباحث تعرض للعالم المحقّق يحرص على إيصالها لغيره، لتعمّ به، فيودع ذلك بالكتابة في الصحف لعلّ المتأخّر يظهر على تلك الفائدة، كما وقع في الأصول في الفقه = تكلّم الشافعيّ أولًا في الأدلّة الشرعية اللفظيّة ولخّصها، ثم جاء الحنفية فاستنبطوا مسائل القياس واستوعبوها، وانتفع بذلك مَن بعدهم إلى الأبد.
قلت: وهذا هوالذي لم يسبق إليه.
وثانيها: أن يقف على كلام الأوّلين وتواليفهم، فيجدها مستغلقة على الأفهام، ويفتح الله له فهمها، فيحرص على إبانة ذلك لغيره، مما عساه يستغلق عليه لتحصل الفائدة لمستحقها، وهذه طريقة البيان لكتب المعقول والمنقول، وهوفصل شريف.
وثالثها: أن يعثر المتأخّر على غلط أوخطأ في كلام المتقدّم، ممّن اشتهر فضله، وبعد في الإفادة صيته، ويستوثق من ذلك بالبرهان الواضح، الذي لامدخل للشك فيه، ويحرص على إيصال ذلك لمن بعده،
(1) المزهر في علوم اللغة وأنواعها، السيوطي، 1/ 319.