إذ قد تعذّر محوه بانتشار التأليف في الآفاق والأعصار وشهرة المؤلّف، ووثوق الناس بمعارفه، فيودع ذلك الكتاب، ليقف الناظر على بيان ذلك.
ورابعها: أن يكون الفن الواحد قد نقصت منه مسائل أوفصول، بحسب انقسام موضوعه، فيقصد المطَّلع على ذلك أن يُتمّم مانقص من تلك المسائل، ليكمل الفنّ بكمال مسائله وفصوله ولايبقى للنقص فيه مجال.
وخامسها: أن تكون مسائل العلم قد وقعت غير مرتّبة في أبوابها ولامنتظّمة فيقصد المطلع على ذلك أن يرتّبها ويُهذّبها، ويجعل كلّ مسألة في بابها، كما وقع في (المدوّنة) من رواية سُحنون عن ابن القاسم، وفي (العتبية) من رواية العتبي عن أصحاب مالك، فإنّ مسائل كثيرة من أبواب الفقه منها قد وقعت في غير بابها، فهذّب ابن أبي زيد (المدوّنة) ، وبقيت (العتبية) غير مهذّبة، فنجد في كلّ باب مسائل من غيره، واستغنوا بـ (المدوّنة) ، وما فعله ابن أبي زيد فيها، والبرادعي فيها.
وسادسها: أن تكون مسائل العلم مفرّقة من أبوابها في علوم أخرى، فيتنبه بعض الفضلاء إلى موضوع ذلك الفنّ، فيفعل ذلك، ويظهر به فنّ ينظمه من جملة العلوم التي ينتحلها البشر بأفكارهم، كما وقع في علم البيان: فإنّ عبد القاهر الجرجاني وأبا يوسف السَّكَّاكيّ وَجدا مسائل متفرّقة في كتب النحو، وقد جمع منها الجاحظ في كتاب (البيان والتبيين) مسائل كثيرة، تنبّه الناس فيها لموضوع ذلك العلم، وانفراده عن سائر العلوم، فكتُبتْ في ذلك تواليفهم المشهورة، وصارت أصولًا لفنّ البيان، ولقّنها المتأخّرون، فأربوا فيها على كلّ متقدّم.
وسابعها: أن يكون الشيء من التواليف التي هي من أمّهات الفنون، مطوّلًا مسهبًا، فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك بالاختصار والإيجاز، وحذف المتكرّر إنْ وقع، مع الحذر من حذف الضروريّ لئلا يخلّ بمقصد المؤلّف الأوّل" [1] ."
وكأنّ حاجي خليفة أخذ هذا المعنى فقال: التأليف على سبعة أقسام لايؤلِّف عالم عاقل إلا فيها وهي:
"إمّا شيء لم يسبق إليه فيخترعه،"
أوشيء ناقص يتمّمه،
أوشيء مغلق يشرحه،
أوشيء طويل يختصره دون أن يخلّ بشيء من معانيه،
أوشيء متفرّق يجمعه،
أوشيء مختلط يرتبه،
أوشيء أخطأ فيه مصنّفه فيصلحه" [2] ."
(1) منهج البحث في الدراسات الإسلامية تأليفًا وتحقيقًا، فاروق حمادة، ص 29، نقلًا عن (التقريب لحدّ المنطق) ، ضمن (رسائل ابن حزم) 4/ 103، تحقيق إحسان عباس، و (مقدمة ابن خلدون) 3/ 1237.
(2) كشف الظنون، حاجي خليفة، 1/ 35.