الشأن إذا وُجدت، و بذلك تقرّب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه، و إن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن )) [1] .
و لاشك أن اعتماد أهل السنة على الرأي العام في مقاومتهم للفلسفة اليونانية و رجالها، هو وسيلة فعالة مكنتهم من إيجاد رقابة شعبية داخلية، كان العلماء من ورائها. لكن استخدامهم -أي العلماء - للعوام في التصدي للفلاسفة هو أمر محفوف بالمخاطر، سلبياته أكثر من إيجابياته، فما دخل العوام فيما يجري بين أهل العلم؟، و أية معرفة لهم بقضايا العلم و مداخله؟، و أية معرفة لهم بحدود الحق و الباطل؟، و هل كل من درس الفلسفة و أظهر بعض أفكارها هو ضال زنديق يجب قتله و إحراقه؟، و هل يستطيع العوام التمييز بين الفيلسوف المسلم الملتزم و الفيلسوف الضال؟، لاشك أن العوام ليس في مقدورهم القيام بكل ذلك، لذا كان من الواجب تحجيم دورهم، و وضع حدود لتصرفاتهم، على أن تكون تحت توجيه و إشراف من العلماء و السلاطين إذا ما احتاجوا إليهم، على أن يتولى العلماء مناظرة المتهمين بالانحراف عن الدين، و استتابتهم و إقامة الحجة عليهم، ثم تُنفذ الأحكام الشرعية بعدالة بعد ذلك بيد السلطان لا العوام.
استخدم السنيون وسائل عملية أخرى في مقاومتهم للفلسفة اليونانية، أذكر منه أربع وسائل، أولها المطاردة و الطلب و فيها مثالان، أحدهما أن الفيلسوف علي بن جودي الأندلسي (ت ق:6 ه) -تلميذ ابن باجة- اشتهر بين الناس باشتغاله بالفلسفة، فاتهموه في دينه و طاردوه للقبض عليه، ففرّ منهم و التحق بجماعة من قطاع الطرق [2] .
(1) المقري: نفح الطيب، ج 1 ص: 212.
(2) ابن سعيد المغربي: المغرب، ج 2 ص: 109 - 110.