لا على الظنون و الأوهام، و الأهواء و الشركيات و الأساطير. على أن ينحصر مجال عملها في فهم نصوص الكتاب و السنة و إظهار حكمتهما، و الاجتهاد في اكتشاف آيات الآفاق و الأنفس، و مختلف مظاهر الكون الظاهرة و الخفية، مع الابتعاد كلية عن الخوض في الغيبيات التي لا يدركها العقل و التي تكفّل الشرع بتبيانها، لأنه ليس من العقل أن يخوض العقل فيما لا يدركه العقل، مع التسليم المطلق للشرع، لقوله تعالى: (( فلا و ربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم و لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يُسلّموا تسليما ) )سورة النساء /56.
ربما يقول بعض أهل العلم أن السنيين قد تجنّوا على العقل و غمطوا حقه عندما تصدّوا للفلسفة اليونانية و قاوموها بشتى الطرق، فهل هذا صحيح؟. أولا لاشك أن في الفلسفة اليونانية جانب عقلي صحيح في الطبيعيات و الرياضيات و غيرها، إلى جانب كثرة الأخطاء أيضا في الطبيعيات و المنطقيات أيضا. و هذا أمر أقر به علماء أهل السنة، لكنهم ذكروا أن جانبها الميتافيزيقي قد سيطر عليها و أفسدها و لطخها بشركياته و ضلالاته، فأفسدت هي أيضا العقل و صرفته عن مجاله الصحيح، و زجّت به في غيبيات وهمية، و ملأته بالخرافات و الضلالات و الشبهات، و أبعدته عن المنطق الاستقرائي التجريبي، و أغرقته في الظنون و التجريدات في ظل المنطق الأرسطي العقيم؛ و بناء على ذلك يتبين لنا أن الفلسفة اليونانية هي التي أفسدت كثيرا من العقول و حمّلتها ما لا تُطيق، و أبعدتها عن مصدر الهداية الربانية خلال العصر الإسلامي.