و يُستنتج مما ذكرناه أن عمليات حرق كتب الفلسفة و منع بيعها و تداولها بين الناس و أهل العلم، تمت على أيدي السلاطين و رجالهم، و تحت رعايتهم، لأنهم هم الذين يملكون قوة التغيير و التنفيذ. و تلك العمليات هي حوادث قليلة جدا بالنظر إلى اتساع رقعة العالم الإسلامي، و طول الفترة الزمنية التي تزيد عن عشرة قرون. لكنها تدل على وجود مقاومة سنية للفلسفة اليونانية ساهم فيها بعض الخلفاء و السلاطين و أعوانهم، لكنها تشير من جهة أخرى إلى انتشار تلك الفلسفة بين طائفة من أهل العلم، حتى استدعى الأمر تدخل السلطان لحرق مصنفاتها و منع بيع كتبها و الاشتغال بها. لكنها -أي تلك العمليات-ساهمت أيضا في إضعاف نفوذ الفلسفة و رجالها، دون أن تقضي عليها و على تراثها و أتباعها.
أفتى الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، أنه من الواجب على السلطان أن يُخرج أهل الفلسفة المشائيم من المدارس و يُبعدهم عنها، و يدفع شرهم عن المسلمين [1] .و مما يُعبر عن دعوة ابن الصلاح أن المتكلم المتفلسف سيف الدين الآمدي (ت 631 ه) عندما درّس بالمدرسة العزيزية بدمشق، أخرجه منها الملك الأشرف موسى بن العادل الأيوبي (ت 631 ه) ، لاشتهاره بتدريس علوم الأوائل، و كره هذا الملك لها، فأقام الآمدي في بيته خاملا إلى أن مات [2] . و فيه أفتى ابن الصلاح أن أخذ المدرسة العزيزية منه، أفضل من استرجاع مدينة عكا [3] ، التي كانت آنذاك بيد الصليبيين.
(1) الذهبي: السيّر، ج 23 ص: 143.
(2) الذهبي: نفس المصدر، ج 22 ص: 366.
(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 9 ص: 7.