و مغربه، قصد التصدي لتلك الفلسفة و أهلها. و سأذكرها فيما يلي تباعا إن شاء الله تعالى.
عثرتُ على ثلاثة حوادث بالمشرق الإسلامي أُحرقت فيها كتب الفلسفة، أولها إن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (ت 421 ه) لما ملك مدينة الري، أحرق كتب الفلاسفة و النجوم و الاعتزال [1] .
و الثانية هي أنه لما تولى الطبيب المتفلسف أبو الوفاء بن المرخم (ت 555 ه) قضاء بغداد، و أساء السيرة في الرعية، أمر الخليفة العباسي المستنجد بالله بالقبض عليه سنة 555 ه، فاستُصفيت أمواله، و أخذت منه كتبه، و أُحرق منها ما كان في علوم الفلسفة، كرسائل إخوان الصفا، و كتاب الشفاء لابن سينا و ما يشاكلهما، و أُدخل ابن المرخم السجن فمات فيه [2] .
و الثالثة هي أنه عندما أُتهم المتفلسف الركن عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلاني البغدادي (ت 611 ه) بالتعطيل و اعتقاد عقيدة الفلاسفة، جمع الوزير ابن يونس البغدادي الحنبلي (ت 593 ه) كتبه و عقد له محاكمة حضرها أعيان الناس، و فيها كان الطبيب أبو بكر بن المارستانية (ت 599 ه) يقرأ بعض كتب عبد السلام على الحاضرين، و يقول: ألعنوا من كتبها و من يعتقدها، فيصيح العوام باللعن حتى تعدى إلى جده الشيخ عبد القادر الجيلاني. ثم وجد محاكموه في بعض كتبه مخاطبة كوكب زُحل، بقوله: (( أيها الكوكب المنير أنت مدبر الأفلاك، و تحي و تُميت و أنت إلهنا ) )، فقالوا له:
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، حققه عبد الله القاضي، ط 2 بيروت، دار الكتب العلمية، 1995 ج 8 ص: 170.
(2) نفس المصدر، ج 9 ص: 439.و ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج 3 ص: 124.و ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 194.