و عندما تطرق الحافظ يحيى بن معين (ت ق:3 ه) ، لذكر أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري، جرّحه بقوله: كذاب يتفلسف [1] . و قال الحافظ ابن ناصر السلامي البغدادي (ق: 6 ه) في الفقيه محمد بن زبيبة البغدادي (ت 511 ه) : كان على عقيدة الفلاسفة لا تجوز الرواية عنه [2] . و عندما تعرّض الحافظ شمس الدين الذهبي لابن سينا (ت 428 ه) قال عنه: ما أعلم أنه روى شيئا من الحديث، و لو روى ما حلت الرواية عنه، لأنه فلسفي النحلة، ضال لا رضي الله عنه [3] .
و لا يخفى عنا أن هذا المسلك استخدمه أهل السنة مع كل المنحرفين من أهل الأهواء، و لم يخصوا به الفلاسفة دون غيرهم، و هذا مشهور عنهم. كما أن استخدامهم لهذا المسلك هو وسيلة من وسائل مقاومتهم للفلسفة اليونانية و رجالها، و قد مكّنهم من سدّ الطريق أمام هؤلاء من تسريب روايات حديثية مكذوبة تخدم فكرهم. و ساعدهم أيضا على تحذير الناس من الأخذ عنهم مما يروونه من أحاديث نبوية.
لكن ذلك لا يعني أن كل من درس علوم الأوائل لا تُقبل رواياته الحديثية، لأن ما قاله علماء الجرح و التعديل يصدق على من درس تلك العلوم و انتسب إليها، و تأثر بها، و انحرف عن الشرع الحكيم، و أما من درسها للرد عليها، و لمعرفة ضلال أهلها، فلا يصدق ذلك عليه.
(1) الذهبي: السير، ج 12 ص: 165.
(2) ابن رجب البغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، حققه سامي الدهان، و لاوست، ط 1 دمشق، المعهد الفرنسي للدراسات 1951 ج 1 ص: 167. و الذهبي: تاريخ الإسلام و وفيات المشاهير و الأعلام حققه عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، 1994، ج: 501 - 520، ص: 323.
(3) ميزان الاعتدال، ج 2 ص: 294.و ابن حجر: اللسان، ج 2 ص: 291.