و ثالثا إن بعضهم - أي هؤلاء العلماء- قد أشار إلى أن الفلسفة اليونانية لم تكن فقط سببا في انحرافات سلوكيات الفلاسفة المسلمين، و إنما كانت أيضا سببا في ظلمة قلوبهم و حيرة نفوسهم و اضطرابها، فزاد ذلك في شكوكهم و تخبّطهم و جهلهم و قلقهم.
لاحظ بعض علماء أهل السنة ظاهرة الحيرة و الشك و القلق على كثير من الفلاسفة المسلمين، و تكلّموا عنها وصفا و تعليلا و تأثيرا. فقد ذكر ابن الجوزي أنه رأى أقواما من المتفلسفة المسلمين لم يكسبهم التفلسف إلا الحيرة و الاضطراب، فلا هم يعملون بمقتضاه، و لا هم يعملون بمقتضى الإسلام، و فيهم من يصوم و يصلي، ثم يعترض على الله و رسوله، و يتكلم في إنكار بعث الأجساد، فهو في عامة أوقاته في تسخّط على الأقدار و اعتراض على المُقدّر. ثم قال ابن الجوزي أن أحدهم قال له: أنا لا أُخاصم إلا من هو فوق الفلك [1] . و يقصد بذلك الله تعالى، و هو قول في غاية الجهل و الوقاحة، يدل على أن قائله جاهل بالله و حكمته في خلقه، و أنه أيضا يعيش حالة شك و اضطراب و قلق.
و العالم الثاني هو أبو عمرو بن الصلاح جعل الفلسفة مادة الحيرة و الضلال و الزيغ [2] . و ثالثهم تقي الدين بن تيمية، قال: إن الفلاسفة و المتكلمين هم أكثر الناس شكا و اضطرابا، و ليس لهم إلا الجدل و الاعتراض، و هما ليسا بعلم، فقد أوتوا ذكاء لا زكاء، و أُعطوا فُهوما لا علوما [3] . و آخرهم شمس
(1) تلبيس إبليس، ص: 64 - 65.
(2) الذهبي: السيّر، ج 23،ص: 143.
(3) مجموع الفتاوى، ط ابن القاسم، ج 5 ص: 119. و نقض المنطق، ص: 23، 24.