الشركيات و المنكرات، فكان ذلك سببا في صد هؤلاء عن تلك العلوم و تركها لأهل الذمة، حتى أننا وجدنا الطبيب النصراني يُوحنا بن ماسويه يخدم ستة خلفاء من بني العباس، و هم: الرشيد و الأمين و المأمون و المعتصم و الواثق و المتوكل [1] . فأين الأطباء المسلمون؟!. و المؤسف حقا أن تلك النظرة المزدرية لعلوم الطبيعة ظلت متوارثة طيلة العصر الإسلامي، و ما تزال باقية إلى اليوم، نجدها لدى بعض التيارات الإسلامية المعاصرة.
و آخرها إظهار تقصير و عجز الفلاسفة المسلمين و علماء أهل السنة في القيام بواجبهم الشرعي و العلمي تجاه علوم الطبيعة -بمعناها الواسع- لتخليصها من إلهيات اليونان و منطقهم العقيم، و تقديمها للمسلمين و غيرهم من الناس، على أساس شرعي علمي صحيح.
و ختاما لهذا المبحث أشير هنا إلى أن الذي لم يقم به المسلمون -في عصرهم الذهبي - من فصل لعلوم الفلسفة، فقد قام به الأروبيون في العصر الحديث، فقد فصلوا كل العلوم الطبيعية و الإنسانية عن الفلسفة اليونانية، و استقل كل علم بذاته؛ لكنها ما تزال لم تُصف نهائيا، لأن الغرب أدخل فيها جانبا من فلسفته الميتافيزيقية المادية الإلحادية الحديثة و لطّخها بها، كخرافة الصدفة و الطبيعة و الداروينية. لذا علينا أن نتنبه لذلك و نحذر منه، مع العلم أنه لا توجد علوم إنسانية خالية من تأثيرات أفكار و مذاهب و عقائد المجتمع الذي توجد فيه؛ و حتى العلوم الطبيعية لا يمكن فصلها نهائيا عن تلك المؤثرات.
(1) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء، ج 1 ص: 247.