تمثّلت أول خطوة في مقاومة السنيين للفلسفة اليونانية، في إظهار الموقف الشرعي منها و من رجالها، و موقفهم هذا لابد منه، لأن المسلم محكوم في سلوكه و أفكاره بالشرع الحكيم. فمن ذلك أن الحافظ الذهبي (ت 748 ه) ذكر أن علماء السلف ذموا علوم الأوائل - و منها الفلسفة - لأنها تُؤدي إلى مخالفة الشرع [1] . و قد حكى المحققان ابن قيم الجوزية (ت 751 ه) ،و ابن حجر العسقلاني (ت 852 ه) أن علماء أهل السنة أجمعوا على تكفير الفلاسفة القائلين بقدم العالم، و المنكرين للمعاد الجسماني يوم القيامة [2] .
و تفصيل مواقفهم نذكرها فيما يلي، أولهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت 505 ه) ، كفّر الفلاسفة كابن سيناء و الفارابي، في كتابه المنقذ من الضلال، لأنهم قالوا بقدم العالم، و أنكروا المعاد الجسماني، و قالوا: إن الله يعلم الكليات و لا يعلم الجزئيات. و بدّعهم في 17 مسألة فلسفية [3] .
و الثاني هو المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 ه) ، ذم الفلسفة و جعلها من الأسباب التي أفسدت عقائد المسلمين، و اتخذ موقفا متشددا من رجالها، فحذّر الناس من مصاحبتهم، و أوجب عليهم منع الصبيان من مخالطتهم -أي الفلاسفة - لئلا يثبت في قلوبهم شيء من أفكارهم. و جعل ثلاثة من رجالهم هم كبار الزنادقة في العصر الإسلامي -إلى زمانه هو -
(1) ميزان الاعتدال، ج 5 ص: 173.
(2) ابن قيم الجوزية: الروح، بيروت، دار الكتب العلمية، ص: 51.و ابن حجر: فتح الباري، حققه فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار المعرف، 1379 ه ج 12 ص: 202.
(3) أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، حققه محمد جابر، بيروت، المكتبة الثقافية، دت ص: 27، 28.و الذهبي: السير، ج 17 ص: 35، و ابن العماد: شذرات، ج 4 ص: 213.