و الثاني هو كتاب الشفاء للفيلسوف أبي علي بن سينا (ت 428 ه) ، جمع فيه فنون الفلسفة السبعة، قال عنه المؤرخ محمد اليافعي المكي (ت 768 ه) : طالعتُ كتاب الشفاء، فوجدته أجدر بقلب الفاء قافا، بمعنى أن يصبح عنوانه: كتاب الشقاء، لا كتاب الشفاء، لاشتماله على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين [1] .
و هو أيضا -أي كتاب الشفاء - متهم بإضلال طائفة من المتفلسفين المسلمين، كأبي حامد الغزالي (ت 505 ه) ،و صدقة بن الحسين البغدادي (ت 573 ه) ، فالأول قال عنه منتقدوه: أمرضه الشفاء [2] . و الثاني قرأ كتاب الشفاء، ففسدت عقيدته، و انتابه الشك و الحيرة، و أصبح ينكر بعث الأجساد، و يعترض على القدر [3] .
و يتضح مما قلناه عن تحذير أهل السنة من مطالعة كتب الفلسفة اليونانية و رجالها، أن فعلهم هذا قد ساهم في صرف كثير من أهل العلم عن مطالعة تلك الكتب، و إن أقبل عليها بعضهم فإنها قرأها - في الغالب - بحذر و وعي يعصمانه من الانحراف.
تصدى بعض علماء أهل السنة للفلاسفة المسلمين في سعيهم للجمع بين الشريعة و الفلسفة اليونانية و المزج بينهما، متخذين من ذلك وسيلة لمقاومتهم و كشف مسعاهم المشبوه. و ذكروا أن الذين تزعموا تيار الجمع بين الشريعة
(1) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج 5 ص: 137.
(2) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، حققه حسنين مخلوف، ط 1 بيروت، دار المعرفة، 1386، ح 2 ص: 229.
(3) ابن الجوزي: المنتظم، الهند حيدر أباد، دائرة المعارف العثمانية، ج 10 ص: 276.و ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة، حققه حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، ج 1 ص: 344.