و أما ما يُروى عن الإمام احمد بن حنبل من أنه استخدم كلمة فيلسوف في قوله: (( الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، و اختلاف الناس، و المعاني، و الفقه ) ) [1] فهو خبر غير صحيح، لأن إسناده ضعيف، و ذلك أن من رجاله: أبو المؤمل العباس بن الفضل الأرسوفي، و عبد الجبار عباس بن أبي الفضل، الأول ضعيف [2] ، و الثاني مجهول. و أم متنه -أي الخبر- فهو منكر جدا، لأن احمد بن حنبل -المعروف بتمسكه الشديد بمنهج السلف- من المستبعد جدا أن يستعمل مصطلح فيلسوف.
و واضح من مواقف هؤلاء العلماء من الفلسفة اليونانية، أنهم أرادوا إظهار حكم الشرع فيها، و تحذير المسلمين منها، تمهيدا لمقاومتها بوسائل أخرى، و لم يقولوا ذلك عن جهل و تعصب، و إنما قالوه عن علم بالشرع و معرفة بمقالات الفلاسفة المخالفة للنقل و العقل معا، و هذا ما سيتبين لنا جليا فيما يأتي من هذا الفصل بحول الله تعالى.
حرص علماء أهل السنة -في مقاومتهم للفلسفة اليونانية - على إظهار إنكار رجالها لكثير من حقائق الدين الإسلامي، و انحرافهم في فهمه، كوسيلة هامة لمقاومتها و الرد عليها، و تحذير المسلمين منها و من رجالها، و الأمثلة على ذلك كثيرة جدا، أذكر منها خمسة، أولها تصوّر الفلاسفة الخاطئ لله تعالى، قال عنهم ابن قيم الجوزية، أن الفلاسفة المسلمين المشائين -أتباع أرسطو- يعتقدون أن الله تعالى هو الوجود المطلق، لا صفة ثبوتية له، و لا يفعل شيئا باختياره، و لا يعلم شيئا من الموجودات، و لا شيئا من المغيبات، و
(1) الذهبي: السيّر، ج 10 ص: 81. و ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 51، ص: 350.
(2) الذهبي / الميزان، ج 4 ص: 54.و المغني في الضعفاء، ج 1 ص: 330.