يتبين للباحث في تاريخ الفلسفة اليونانية -خلال العصر الإسلامي - أنها ظلت محتفظة بعلومها الرئيسية الأربعة (المنطق، الإلهيات، الطبيعيات، المقادير) و لم يحدث لها فصل و تفكيك واضحين لاستقلالها عن بعضها، فما حقيقة هذا الترابط؟، و من الذين كان عليهم أن يقوموا بذلك الفصل؟، و هل ما قام به المتكلمون المتأخرون من إدخال للمنطق في العلوم الشرعية يُعتبر نموذجا للفصل المطلوب؟، و ما هي آثار عدم فصلها على المسلمين؟.
فبخصوص التساؤل الأول، فإن ذلك الترابط هو ترابط وهمي لا حقيقة له، و لا ضرورة تدعو إليه، لأن علوم الطبيعة و الرياضيات علوم طبيعية موضوعية منفصلة تماما عن أفكار البشر و مذاهبهم؛ و من ثمّ فهي أيضا منفصلة تماما عن إلهيات - ميتافيزيقا - اليونان و منطقهم. لذا كان من الواجب أن يُفك ذلك الترابط الوهمي، لكنه لم يحدث خلال العصر الإسلامي، و بقيت إلهيات اليونان متغلغلة في تلك العلوم و ملطخة لها، فكان على الذي يريد دراسة الطب مثلا، عليه أن يدرس كل فلسفة اليونان و ما فيها من خرافات و ضلالات.
و أما التساؤل الثاني، و هو: من الذين كان عليهم أن يقوموا بالفصل بين علوم الفلسفة؟، فإن الذي كان في مقدورهم القيام بذلك و ليس واجبا عليهم، فهم الفلاسفة -على اختلاف تخصصاتهم- لأنهم من أهل التخصص و من أبناء الفلسفة اليونانية، و أما لماذا ليس واجبا عليهم لأنهم من رجال الفلسفة،