فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 155

ينتمون إليها و يحبونها و يدافعون عنها، فهذا قد يدفعهم إلى عدم فصل علومها خوفا عليها من التشتت و الضعف و الضياع!.

و أما الذين كان واجبا عليهم أن يسعوا لفصل علومها، فهم علماء أهل السنة، بما أنهم رفضوها و قاوموها؛ فكان عليهم أن يفصلوا علومها النافعة عن علومها الضارة، و يفكوا ارتباطها بإلهيات اليونان نهائيا، ليقدموا البديل الإسلامي العلمي لعلوم الطبيعة و الرياضيات و الفلك و غيرها من العلوم النافعة. و هم و إن لم يكن تكوينهم العلمي يسمح لهم بالقيام بذلك، فكان في مقدورهم أن يسعوا و يتعاونوا لتكوين أطباء و مهندسين و فلكيين و رياضيين سنيين ملتزمين يتولون عملية الفصل وفق أسس إسلامية علمية صحيحة.

نعم قد أشار بعض علماء السنة إلى الفصل النظري بين الفلسفة و بعض علومها، كالطب و الفلسفة، و قد ذكرنا على ذلك أمثلة في الفصل الثاني؛ و روينا أيضا أن السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب عندما أمر بحرق كتب الفلسفة استثنى منها كتب الطب و الحساب و ما يُتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل و النهار و اتجاه القبلة. كما أن الحافظ الذهبي قد استثنى الطب و الهندسة من علوم الأوائل التي ذمها [1] . لكن ذلك ظل أمرا نظريا و تصرفا فرديا محدودا، و لم يتحول إلى عمل علمي تطبيقي هادف و مخطط له لفصل العلوم الطبيعية النافعة عن فلسفة اليونان، بناء على أسس علمية تجريبية استقرائية، ضمن إطار إسلامي عام. فهذا الأمر لم أعثر له على أي خبر يُشير إلى أنه تمّ في العصر الإسلامي، مع أهميته و وجوبه شرعا، و عقلا، و علما، و واقعا، فكان من اللازم القيام بذلك العمل، لكنه يحدث.

(1) السيّر، 10 ص: 604،و ج 22 ص: 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت