فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 155

و بذلك يتبين لنا أنه لا أهل الفلسفة قاموا بفصل علوم الطبيعة و الرياضيات عن إلهيات اليونان و منطقهم، و لا أهل السنة قاموا بذلك العمل، فلماذا لم يقم به و لا واحد من هؤلاء؟ ليس لي إجابة شافية كافية عن هذا التساؤل، و لم أعثر له على جواب في تراثنا الإسلامي، لكن ربما أن الفلاسفة لم يفعلوا ذلك لسببين رئيسيين، أولهما تعصبهم للفلسفة اليونانية و حرصهم على التمسك بها حفاظا عليها. و ثانيهما نظرتهم الضيقة لعلوم الطبيعة و الرياضيات، التي -ربما - لم يتصوروا إمكانية انفصالها عن فلسفة اليونان.

و أما علماء أهل السنة، فربما صرفهم عن القيام بفصل علوم الطبيعة عن إلهيات اليونان و منطقهم، سببان رئيسيان، الأول نظرة الازدراء و التخوّف و التحذير التي كانوا ينظرون بها لفلسفة اليونان. و ثانيهما إهمالهم لعلوم الطبيعة و مبالغتهم في الإقبال على علوم الفقه و الحديث و الآداب، و التركيز على مظاهرها لا على روحها. و قد أشار إلى ذلك حجة الإسلام أبو حامد الغزالي بأسف شديد، فذكر أن أهل العلم في زمانه بالغوا في الإقبال على الفقه و الخلاف و الجدليات، و تركوا علم الطب لأهل الذمة؛ فترخّصوا في الاشتغال بفرض كفاية قام به جماعة، و أهملوا علم الطب الذي هو فرض كفاية لا قائم به و الحاجة إليه ماسة. ثم قال: إن السبب في ذلك أن هؤلاء تركوا الطب لأنه لا يتيسر لهم به الوصول إلى مناصب القضاء و الأوقاف و الوصايا و حيازة أموال الأيتام، أما الفقه فيتيسر لهم به الوصول إلى ذلك [1] .

(1) إحياء علوم الدين، بيروت دار المعرفة، دت ج 1 ص: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت