و ثانيا إن ما قام به أهل السنة، هو ليس حربا على العقل و لا تجنيا عليه و طعنا فيه و لا تقزيما له، و إنما هو إنقاذ له من الأهواء و الانحرافات و الضلالات، و انتصار له و للحقيقة و للدين ضد الأساطير و الظنون و الشبهات و الأهواء، و ذلك أن العقل السليم و الفلسفة الصحيحة هما اللذان يُوصلان الإنسان إلى عبادة ربه و الخضوع له و الالتزام بشريعته، وهذا قمة الفلسفة و العقلانية و الموضوعية العلمية. فالتصدي للفلسفة اليونانية و مقاومتها و انتقادها، و تخليص الإنسان منها، هو من ضروريات الشرع الحكيم، و العقل الصريح، و العلم الصحيح.
و ختاما لهذا الفصل يتبين منه أن ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية، لم تكن ضرورية للمجتمع الإسلامي، و إنها أضرت به أكثر مما نفعته. و أن عدم قيام أهل السنة و الفلاسفة بالفصل التام بين علوم الفلسفة اليونانية من جهة و بينها و بين إلهياتها و منطقها من جهة ثانية، كان له الأثر السيئ الفتاك على الفكر الإسلامي، و حال دون قيام علوم طبيعية و رياضية و فلكية ذات إطار إسلامي علمي استقرائي تجريبي من جهة، و مستقلة عن ميتافيزيقا اليونان و منطقها من جهة ثانية.
و تبين أيضا أن مقاومة أهل السنة للفلسفة اليونانية لها ما يُوجبها و يُبررها شرعا و عقلا، علما و واقعا، أمام سلبية فلاسفة المسلمين و انهزاميتهم تجاهها، و تجنيهم على الدين و العقل، فكانت مقاومتهم لها و لرجالها إنقاذا للعقل و انتصارا للحقيقة.