و المثال الثاني مفاده أن الطبيب الفيلسوف احمد بن عتيق الأندلسي المعروف بابن الذهبي (ت ق:6ه) تعرّض للطلب و المضايقات عندما سخط السلطان الموحدي على صاحبه ابن رشد الحفيد، فطُلب هو الآخر، فهرب و اختفى عن الأنظار، لكن محنته لم تدم طويلا، فعندما تراجع السلطان عن موقفه من الفلسفة، عفا عنه و قرّبه منه [1] .
و الوسيلة الثانية هي التحذير و التنفير، من ذلك أن الحافظ أبا سعد السمعاني (ت562ه) روى أنه لما حلّ بمدينة حلب و سمع بها الحديث من أبي الحسن بن أبي جرادة (ت546ه) و خرج من عنده اعترضه أحد الصالحين و أنكر عليه سماعه الحديث من ذلك الرجل، و قال له مستنكرا: ذاك يُقرأ عليه الحديث! إنه يقول بالنجوم، و يري رأي الأوائل من الفلاسفة. ثم ذكر السمعاني أن ما قاله له هذا الرجل عن ابن أبي جرادة، أكده له رجل حلبي آخر التقى به بدمشق [2] .
و الوسيلة الثالثة الضغط و التهديد العسكريين، استخدمهما السلطان نور الدين محمود (ت 567ه) مع حامي الفلاسفة ركن الدين بن أرسلان (ت 600ه) ، و ذلك أن نور الدين لما وسّع ملكه بشمال بلاد الشام، أرسل إلى ركن الدين- ملك بلاد الروم - رسالة مع مبعوثه فيها شروط إقراره على ملكه، منها عليه أن يجدد إسلامه على يد مرسوله، لأن نور الدين لا يعده مؤمنا، و لا يقره على بلاد الإسلام ما لم يجدد إسلامه [3] .
(1) نفس المصدر، ج2 ص: 321.
(2) السمعاني: التحبير في المعجم الكبير، حققته منيرة سالم، دن دت، ج 1 ص: 570 - 571.
(3) أبو شامة: كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية و الصلاحية، حققه إبراهيم الزيبق، ط1 بيروت، مؤسسة الرسالة، 1997، ج 2ص: 262.